العلامة التجاريةمقالات

“آبل”.. تفاحة التكنولوجيا المقضومة وقصة تفرُّد طوال 4 عقود

“آبل”.. تفاحة التكنولوجيا المقضومة وقصة تفرُّد طوال 4 عقود

قصة نجاحها تُشبه كثيراً غموض الحياة التي نحياها ونشعر بالانجذاب لها؛ تلك الحياة التي لا تكتمل أبداً، ويكمُن جمالها في هذا النقصان، إنها التفاحة المقضومة “آبل” المترافقة دوماً مع اسم صاحبها ستيف جوبز مؤسِّس هذا الصرح التكنولوجي الضخم من الألف إلى الياء ومنقذه من عثراته القاصمة التي كادت في إحدى اللحظات أن تُودِي بتاريخه المشرِّف نهائيّاً.

بدأت “آبل” نشاطها رسميّاً في العام 1976م بجهود ثلاثة أشخاص؛ ستيف جوبز، وستيف وزنياك، والمستثمر الأميركي مايك ماركولا، وتركَّز عملها على إجراء تجارب لصناعة أجهزة الحاسوب الشخصي، ولم يمرّ عام واحد على التأسيس إلا وقدَّمت للعالم أول جهاز منافس لـ”أي. بي. إم”، وكان النجاح حليفها منذ تلك اللحظة، فحقَّقت قفزةً نوعيةً خلال العام 1984م مع “ماكينتوش”، وهو أول نظام تشغيل مزوَّد بواجهة رسومية، ثم نظام تخزين البيانات “الديسك”، وتمكنت من منافسة كبرى الشركات العاملة في المجال، مثل: “مايكروسوفت” و”إنتل”.

 نجاح “آبل” لم يمنع وجود عثرات عدَّة في طريقها؛ بدأت مع الشرارة الأولى للصراع التقليدي على إدارتها بين الأصدقاء، والذي انتهى برحيل جوبز، وتأسيسه شركة Next software”” الخاصة بمنصّات العمل المتطورة، والتي وضع من خلالها نظام برمجيات “أوبجيكت” الذي كان أساساً لنظام تشغيل أجهزة الكمبيوتر “ماك”.

لكن Next”” لم تصمد أمام خسائرها المتوالية فبِيعَتْ لـ”آبل”، والتي كانت تَجْنِي ثمار رحيل جوبز عنها بخسائر متزايدة؛ إذ أطلقت الكثير من المنتجات التي لم تَلْقَ إقبالاً كبيراً، ومنها: تلفزيون “ماك” الذي بيعت منه 10 آلاف قطعة فقط، ومنصّة ألعاب “بيبين” التي سُحِبَت من الأسواق بعد عام واحد، و”آبل ليزا” الذي فشل بقوة بسبب ارتفاع تكلفته، و”آي بود” الذي لم يساعد المستخدِم في الانتقال السَّلِس من وضع الاتصال إلى التشغيل. (كيف قلب ستيف جوبز شركة أبل رأساً على عقب، 2011م).

“آبل”.. الأكبر قيمة عالميّاً لأكثر من 10 سنوات

ولم تَجِدْ “آبل” أمامها ملاذاً سوى عقد شراكة مع ستيف جوبز العام 1997م تقضي بضمّ “Next” وحصوله على منصب استشاريّ رفيع المستوى، وسريعاً ما اتخذ خطوات جادة أعادت الشركة إلى سابق عهدها، وغدت منتجاتها حديث الأسواق العالمية، وفي غضون سنوات قليلة أصبحت الشركة التكنولوجية الأكبر قيمة عالميّاً” بين العامين ٢٠٠١ و٢٠١٠م، خاصةً بعد إطلاق الهاتف الذكي iPhone  العام ٢٠٠٧م، والذي أثبت تفرُّده وتُوِّجَ بلقب “الأفضل مبيعاً على مستوى العالم”، ووضع منافسيها في موقف حرج للغايّة.

والحقيقة أن منافسي الشركة الأميركية كثيرون للغاية؛ ففي مجال صناعة أجهزة الكمبيوتر تواجِه منافسةً شَرِسَة مع شركات مرموقة مثل: “إتش بي” و”ديل” و”آسوس”، لكنها استطاعت الحفاظ على مكانتها، وكسب عملاء جُدد يبحثون عن منتجاتها القيّمة، وفي مجال الهواتف الذكية يتربَّع “آيفون” على العرش منفرداً، تليه أجهزة شركات أخرى، مثل: “سامسونج” و”سوني”.

وفي مجال نُظُم التشغيل تُعتَبر “مايكروسوفت” المنافس الأكثر شراسة لـ”آبل” بنظام “ويندوز” الذي يتسمُّ بواجهة تشغيل سَلِسة ورسوميات فائقة الجودة، وفي المقابل يتميز نظام “آبل ماك” بسهولة أداء عمليات الجرافيك.

وبالنسبة إلى مجال نُظُم تشغيل الهواتف الذكية؛ فإن “جوجل” المنافَسِة الأولى لها بنظام “أندرويد” ذائع الصيت عالميّاً، لكن “آبل” تتفوق مجدداً بنظام iOS العبقري.

ويسعى منافسو “آبل”، لا سيما “جوجل” و”سامسونج”، للوصول إلى مستخدمي IOS، والاستفادة منهم، لكن الأولى لا تسمح بذلك فهي تتيح لمستخدمي “آيفون” و”أيباد” تحميل تطبيقات “ويندوز” و”أندرويد” من متجرها الإلكتروني، بينما لا يستطيع مستخدمو أنظمة “مايكروسوفت” و”جوجل” الدخول على تطبيقات IOS؛ لأنها لا تسمح للآخرين باستخدام أنظمتها، ما يتسبَّب في حالة عداء شرِسة بينها وبين منافسيها تصل حدّ الكراهية.

سياسة “آبل” تجاه موظفيها تتراوح بين الصرامة والتشارُك

كان وراء هذا النجاح المذهل سياسة إدارية شديدة الحسم، تركِّز على جانبين؛ الأول؛ دقة اختيار العناصر البشرية، وخضوعها لأكثر من عشر مقابلات مع مدراء رفيعي المستوى تشتمل على أسئلة معقَّدة في الجوانب التقنية وأخرى لقياس مستوى الذكاء.

أما الجانب الثاني فيختصّ بإشراك فريق العمل في اتخاذ القرارات والربح المادي، ووضعت “آبل” برنامجاً جديداً يقضي بمنح جميع موظفيها “دون استثناء” أوراقاً مالية مقيَّدة تُسْتَحَقُّ خلال فترة محدَّدة، في خطوة هي الأولى من نوعها بين الشركات التكنولوجية، وقبل ذلك كان يحقُّ للمديرين التنفيذيين وبعض موظفي الإنتاج فقط شراء الأسهم بأسعار مخفَّضة.(آبل تمنح أسهماً لجميع موظفيها بمن في ذلك عمال التجزئة، 2015م).

وفي المقابل، تُوصَف سياسات الشركة تجاه موظفيها بالصرامة، فأكَّد بعض مَن خاض تجربة العمل فيها أن البيئة الإدارية تتسمّ بالملل، واستنزاف الطاقات بعد أوقات العمل الرسمية والعطلات الأسبوعية، ناهيك عن عدم توافر أي مجال للترويح عن النفس سواءً بالرياضة أو الألعاب المختلفة، بخلاف غيرها من الشركات التي تتيح الأنشطة الترفيهية بالمجان، ولذلك فـ”آبل” تصلح -من وجهة نظرهم- لمدمني العمل، ولا تتناسب على الإطلاق مع الذين تقع على كاهلهم مهام اجتماعية أخرى.

الصرامة التي تتميز بها الشركة ليست فقط مع موظفيها، وإنما مع أيَّة محاولة لانتهاك علامتها التجارية الأكثر قيمة في العالم، ولذلك طالبت موقع التجارة الإلكترونية الشهير “أمازون” بتعويض 150 ألف دولار عن كل انتهاك لحقوق ملكيتها بشأن كابل الطاقة الخاص بـ”آيفون” المُباع عبر الموقع، وطالبت بمليوني دولار لكل عملية تقليد لعلامتها التجارية، وتقدمَّت بشكوى رسمية ضد 51 شركة أخرى تبيع منتجاتها المقلَّدة عبر الإنترنت.

“آبل” تُعيد تدوير 27 ألف طنّ من النفايات الإلكترونية

ولا تسعى “آبل” إلى وقف تقليد علامتها فقط، بل تواجه أيضاً اتهامات بالتأثير السلبي على البيئة، ولذلك باتت تعتمد كليةً على الطاقة المتجدِّدة في عمليات التصنيع داخل أكثر من 24 دولة، وتتبنَّى خطة سنويَّة لتقليل الانبعاثات الكربونية من مصانعها ومعالجة النفايات الخَطِرَة.

وذهبت أبعد من ذلك بابتكار “روبوتات” قادِرَة على تفكيك أجهزتها القديمة، وإعادة استخدام مكوناتها دون المساس بصحة الإنسان أو البيئة، ونجحت في إعادة تدوير أكثر من 27 ألف طنّ من النفايات الإلكترونية، كما بدأت استبدال الأكياس البلاستيكية في متاجرها بأخرى ورقية 80% من موادها مُعادة التدوير.

“آبل”
القيمة السوقية:  903.28 مليار دولار في 16 مارس 2018م
عدد الموظفين حول العالم:  123 ألف موظف نهاية العام 2017م
عدد الدول التي تعمل بها: 500 متجر رسمي في 19 دولة حتى فبراير 2017م
الأرباح السنوية المجمّعة: 50.5 مليار دولار للعام 2017م.


اظهر المزيد
إغلاق
إغلاق