العلامة التجاريةمقالات

“أديداس”.. رائدة التفكير خارج الصندوق

أحذيتها تُشبه كثيرًا في قوتها “الأسلحة المضادة للدبابات”، ولِمَ العجب؟ وقد كُتِبَ لهذه العلامة التجارية أن تشهد انطلاقتها العام 1924م من مصنع متواضع في مقاطعة بافاريا،  تحوَّل بقرار السلطات الألمانية إلى إنتاج الأسلحة الثقيلة إبَّان الحرب العالمية الثانية، وأخيرًا انتهى بها المطاف شركة رائدة في المنتجات الرياضية تُعرف حتى الآن بـ”أديداس”.

 

بدأت الشركة بجهود الأخويْن “أدولف” و”رودي” داسلر، وبإمكانيات محدودة, ومع مرور الوقت اكتسبت منتجاتهما شهرةً كبرى وتوسَّع نشاطهما سريعًا بعد المشاركة بأحذية عالية الجودة في دورة الألعاب الأولمبية العام 1928م، ثم انفصل الشقيقان، وأسَّس أدولف بمفرده شركة “أديداس” العام 1948م.

في غضون سنوات قليلة فازت “أديداس” بشركة “سالمون” لإنتاج ملابس التزلج، ثم وقَّعت شراكة طويلة الأمد مع مصمِّمة الأزياء “ستيلا مكارتني” لإنتاج الملابس الرياضية النسائية، وظلَّت تواكب التكنولوجيا للمحافظة على مكانتها، وتقدِّم كل ما هو جديد ومثير للجمهور.

 

أزمات عاصفة بعد رحيل “داسلر” وبداية جديدة مع “دريفوس”

مرَّت “أديداس” بمراحل تدريجية من الاضمحلال الاقتصادي بعد رحيل داسلر المؤسِّس الأول للشركة، وتولّي نجله “هورست” إدارتها، وكان العامل الرئيس في ذلك صراع الورثة على الترِكَة الثمينة، وعدم انشغالهم بتطوير أعمالها، ومع رحيل “هورست” الابن ازدادت الأمور سوءًا بتولي شقيقاته الإدارة، وتفاقم الخلافات بينهنَّ، ما دفعهنَّ في نهاية المطاف إلى بيع 80% من أسهم الشركة.

وكان الفائز بهذه النسبة رجل الأعمال الفرنسي ووزير الشؤون المدنية آنذاك “برنار تابي”، لكنه لم يتمكَّن من سداد فوائد القروض التي حصل عليها لإتمام صفقة الشراء، فانتقلت الشركة كاملةً إلى “روبرت دريفوس” العام 1993م، بعدما اقتنص الحصَّة الباقية الخاصة بالورثة الأصليين.

بذل دريفوس كل ما بوسعه لإنقاذ الشركة، فتلقاها من حالتها المُنذِرَة بالهلاك، واتخذ إجراءات حاسمة لوقف نزيف الخسائر، فاستقدم كبار مديري ومصمِّمي أشهر العلامات التجارية السابقين للاستفادة من خبراتهم، وتعاقد مع أقوى الأندية العالمية، وقرَّر وَقْف نقل الإنتاج إلى آسيا لخفض التكاليف.

وكان ذلك مقابل مزيد من الاهتمام بالحملات الدعائية، فاعتمدت “أديداس” على طرح الأفكار الجريئة، وتبنِّي أنماط أفضل للحياة، كما يُحسَب لها اغتنام الوقت المناسب للعرض، فحينما اقتربت بطولة الأمم الأوروبية 2012م أطلقت حملة “كلّ لمسة تهم”؛ للترويج لحذاء مبتكر يحتوي على خمسة أقسام ثلاثية الأبعاد فائقة الخِفة لها القدرة على التأقلم مع شكل القدم.

وأخيرًا، تعرَّضت الشركة لعثرة فادحة حينما أخطأت في كتابة اسم كولومبيا خلال حملة دعائية لبطولة “كوبا أميركا لكرة القدم”، فأوردت في الملصقات الاسم كذلك Columbia بدلًا من Colombia، ما أثار ضجَّة واسعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، واضطرت “أديداس” للاعتذار الرسمي والفوري عن الخطأ.

في “أديداس”.. لا وجود للرواتب الخيالية

يكمُن سرّ نجاح “أديداس” في حُسْن إدارة الموارد البشرية؛ فتهتم باختيار عناصر مولَعَة بممارسة الرياضة؛ لأنها ستكون حريصة على الإبداع في مجال شَغَفِها، كما أن ثِمَّة نقطة أخرى تُمَيِّز بيئة العمل هناك، وهي عدم اعتماد الرواتب الخيالية، بل تربط الشركة بذكاء عادل بين الإبداع والحصول على المال؛ من خلال برنامج شامل للمكافآت، هذا إلى جانب التأمين الاجتماعي وبرنامج الرعاية الصحية.

لكن صار بعض موظفي “أديداس” مهدَّدين بالرحيل عنها وفقدان وظائفهم بسبب اتجاه الشركة للاستعانة بـ”روبوتات” مطوَّرة تجيد الحياكة عبر كاميرات وتقنيات bots، والتي تم تطويرها من خلال شركة .SoftWear Automation

وأكد تانج شينهونج، المدير التنفيذي لـ”Tianyuan” المسؤولة عن حياكة ملابس “أديداس”، اعتزام شركته تركيب 21 خط إنتاج للحصول على 800 ألف قميص يوميًّا لصالح الشركة الألمانية.

إنتاج أحذية من البلاستيك المستخرج من نفايات المحيطات

واستنادًا إلى ارتباط عمل الشركة الوثيق بالنشاط الرياضي، فإن ذلك ألقى عليها الضوء تجاه موقفها الفعليّ من المبادرات الدولية لإنقاذ البيئة، فوقَّعَت شراكة مع منظمة “Parley for the Oceans” المعنيَّة بالحدِّ من النفايات البلاستيكية في المحيطات؛ بهدف تصنيع آلاف الأحذية من البلاستيك المُعاد تدويره من النفايات.

 

وفي العام 2016م أطلقت 50 زوجًا فقط من هذه الأحذية؛ لأن تحويل نفايات البلاستيك إلى ألياف قابلة للغزل أمرٌ شاقّ للغاية من الناحية الفنية، واستخدمت فيها نوعيْن من البلاستيك المُعاد تدويره، الأول؛ (PET)، والذي يُستخدم في عبوّات المياه، والثاني؛ (البلاستيك النايلون) والذي يتوافر في شِباك الصيد.

“أديداس” تغزو السوق الأميركية وتهدِّد عرش “نايك”

واليوم تملك “أديداس” مجموعة ضخمة من الشركات مثل: “ريبوك”، و”روكبوت تايلور ماد أديداس”، بالإضافة إلى حقوق رعاية بعض الأندية العالمية، مثل: “ريال مدريد”، و”تشيلسي”، و”ميلان”، وكذلك رعاية أشهر اللاعبين، مثل: مارادونا، وزين الدين زيدان، وميسي، ولهذا رحَّبت إدارة “الفيفا” بمشاركتها في رعاية بطولة “كأس العالم”، وقدَّمت الشركة الكرة الرسمية لمباريات كأس العالم 2014م.

 

لكنَّ الساحة العالمية لا تخلو لها تمامًا، فهناك المنافس الأميركي العنيد “نايك”، والذي أشعل المنافسة معها على أشُدِّها منذ ظهوره العام 1964م، لاسيما وأنه يسير بمنوال سريع نحو الأفضل رغم حداثته النسبية مقارنة بـ”أديداس”، ويقدم منتجات مبتكَرَة ذات جودة عالية.

وحتى الآن لم يُحسَم الصراع بين الشركتيْن بصورة نهائية، إلا أن “أديداس” تعترف بهذا الخَصْم القوي، وتضعه دائمًا في اعتبارها، ولذلك ضمَّت “ريبوك” ثالث أكبر الشركات العاملة في المجال الرياضي؛ الأمر الذي عزَّز وجودها في السوق الأميركية، وارتقى بمكانتها العالمية، ورسَّخ نواياها بشأن إنهاء احتكار “نايك” لهذه السوق الخِصبة.

 

منصب جديد في “أديداس” لضبط علامتها المقلَّدة

باتت “أديداس” اليوم العلامة التجارية الأولى أوروبيًّا في إنتاج المواد الرياضية والثانية عالميًّا بعد “نايكي”، ولذلك تُعَدُّ من أبرز العلامات التجارية التي تتعرَّض لتقليد شعارها، حتى إنها استحدثت منصبًا جديدًا لمراقبة الأسواق، والكشف عن العلامات المقلَّدة وإبلاغ المختصّين.

وتبقى “أديداس” علامةً فارقةً في عالم الرياضة، شعارها محفورٌ في ذاكرة عدد كبير من الأطفال والشباب ومحبي الرياضة.. السؤال: متى نجد في عالمنا العربي شركة تفوق “أديداس” في شهرتها وجودة منتجاتها لتساهم في تشغيل آلاف الأيدي العاملة العربية، وتُوقِف نزيف تصدير المواد الخام إلى الخارج؛ ليكون الاستثمار لا في الأموال فقط، وإنما في الموارد البشرية قبل الطبيعية.

 

“أديداس”

القيمة السوقية:

 48.48 مليار دولار في 19 مارس 2018م.

عدد الموظفين حول العالم:

60.617 ألف موظف العام 2016م.

عدد الدول التي تعمل بها:

160 دولة.

الأرباح السنوية المجمّعة:

1.2 مليار يورو العام 2016م.

 

نقاط القوة

نقاط الضعف

1. تمتلك العلامة التجارية قيمة تراثية كبرى منذ العام 1924م.

1. اعتمادها التكنولوجيا الحديثة في منتجاتها المبتكَرَة يجعل الأخيرة مرتفعة الثمن مقارنة بالمنافسين.

2. يطغى وجودها على الأحداث الرياضية العالمية التي ترعاها، وكذلك دعمها القوي لأشهر اللاعبين.

2. المنافسة الشَّرِسَة مع العلامة الرياضية الأولى عالميًّا “نايكي”، وغيرها؛ يتيح للعملاء بدائل موثوقة ومتفاوتة الأسعار لمنتجات “أديداس”.

3. نجاح مذهل في الحملات التسويقية، واختيار عبقري لموعد إطلاقها، ما خلَق احتفاظًا قويًّا بعلامتها في أذهان العملاء.

3. تعتمد على وكلاء خارجيين في الدول الآسيوية لانخفاض تكلفة العمالة هناك وتوافر المواد الخام، ما يجعلها عُرضة لهيمنتهم والتحكُم في تجارتها بصورة قوية.

الفرص

التحديات/ التهديدات

1. استغلال رعايتها للأحداث الرياضية في التفوق على المنافسين وزيادة الانتشار .

1. تقديم منتجات مبتكَرَة ذات تصاميم أنيقة  وأسعار مخفَّضَة بعض الشيء لتغطية قاعدة عريضة من العملاء.

2. يمكنها الاستفادة من علامتها التجارية الرائدة في توسيع مجالات استثمارها  بإنشاء أكاديميات رياضية لتدريب المواهب والنشء.

2.  انتشار تقليد علامتها التجارية يهدِّد فُرَص حصولها على حصص سوقية أكبر.

3. فتح أسواق جديدة في الدول التي تعتمد فيها على وكلاء، ما يمنحها القدرة على ضبط أسواقها هناك وزيادة الانتشار.

3. تصنيع غالبية منتجاتها في الدول الآسيوية يجعل أسعار منتجاتها تحت سيطرة اللوائح القانونية الخاصة برسوم الاستيراد والتعريفات الجمركية  في هذه البلدان.

 

اظهر المزيد
إغلاق
إغلاق