المشاريع الصغيرةمقالات

اشتراطات بنكيّة لإقراض أصحاب المشاريع الصغيرة

تلعب المشاريع الصغيرة دوراً محوريّاً في دفع عجلة التنمية المُستدامة في مختلف القطاعات والمجالات بما ينعكس على معدلات النمو بصورة متوازنة، والقضاء على المشاكل الاقتصادية المزمنة التي تعاني منها دولٌ كثيرة، مثل: التضخم، الركود، ارتفاع نِسَب الفقر، والبطالة، ولذلك باتت تُمَثِّل أكثر من 90% من اقتصادات العالم.

ورغم أهميتها المتنامية إلا أنها تواجه تحديات كبرى تتمثّل في التمويل؛ لمحدودية قدرتها على تعبئة الأموال الخاصة التي تتناسب مع أهدافها وخططها الاستراتيجية، فتكون في حاجة مستمرة إلى مختلف أشكال التمويل الخارجي، وهنا تأتي أهمية المصارف في إيجاد التمويل اللازم لها عن طريق جلب المزيد من الاستثمارات والمدَّخَرات من الفئات الاقتصادية ذات الفائض المالي الكبير، وإمداد أصحاب المشاريع الصغيرة بهذه الأموال في صورة قروض.

 

القروض أبرز صور استثمار الموارد المالية للبنك

لكنَّ البنوك لا تأخذ قرار التمويل عبر القروض بطريقة عشوائية دون تحرِّي الدقة، بل يَعْكُفُ المختصُّون فيها على إجراء دراسات تحليلية دقيقة لتشخيص الحالة المالية للمؤسَّسات أو الأفراد الراغبين في الحصول على القرض والتنبؤ بمدى نجاح هذه المشاريع؛ ما يضمن في النهاية اختصار الوقت، والحفاظ على أموال المستثمرين، ويرجع ذلك بالأساس إلى ارتفاع درجة المخاطرة في هذا النوع من المشاريع، وعدم توافر الضمانات الكافية على سداد القروض، لا سيما أن غالبيتها تندرج تحت مِظَلَّة القطاع غير الرسمي.

ولا عجب في ذلك؛ لأن القروض البنكية تُعَدُّ من أبرز صُوَر استثمار الموارد المالية للبنك، وتُعْتَبَر الجانب الأكبر من أصوله، وتُمثِّل عائداتها الجانب الأوفر حظاً من إيرادات البنك، ولذلك يُولِي المسؤولون عنايةً خاصة بالقروض عبر وضع سياسة ملائمة للإقراض، وإجراء دراسة جدوى للمشروع، واختبار قدرة صاحبه على السداد في الوقت المحدَّد.

 

معايير شخصية يضعها البنك لإقراض صاحب المشروع

يضع البنك بعض الاشتراطات التي يتعلق بعضها بالعميل ذاته/ صاحب المشروع، وفي مقدمتها السُمعة الشخصية، أي: إذا كان وفيّاً في تعاملاته المالية السابقة مع بنوك أخرى أم لا، ومدى القدرة على سداد القرض الممنوح له، ويتأكد مسؤولو البنك من ذلك عبر مراقبة مدى انتظام العميل في سداد قروض سابقة، أو عن طريق معرفة مدى ربحيَّة نشاطاته المالية لسنوات سابقة، وقدرته على تحويل حَجْم أصوله إلى سيولة نقدية دون خسائر كبيرة؛ باعتماده على قوائم مالية، مثل: الموازنة العمومية والدخل.

ومن الاشتراطات الأخرى المتعلقة بشخصية العميل / صاحب المشروع “الملاءة المالية”، ويُقصَد بها مدى قدرته على مواجهة التزاماته المالية في أيّ وقت، ويمكن للبنك التأكد من هذا عبر دراسة الوضع المالي للمؤسَّسة التي يملكها طالب القرض لسنوات سابقة، واستخدام معايير التحليل المالي، مثل: نسبة الاستقلالية المالية.

 

شروط الضمانات المطلوبة من صاحب المشروع

لأجل المزيد من التأكد، ربما يلجأ البنك إلى طلب ضمانات من صاحب المشروع، لا سيّما إذا تعلق الأمر بقرض مالي كبير القيمة؛ فالأمر هنا لا يقتصر على إجراء الدراسات، وتحليل وثائق الشركة ومركزها المالي فقط، بل يشمل طلب أشياء ذات قيمة تتسمّ بسهولة التسويق والتقدير واستقرار القيمة وعدم القابلية للتلف، مثل: الكفالة، الضمان الاحتياطي، الرهن الحيازي، والرهن العقاري.

القدرة الإدارية والفنية لصاحب المشروع كذلك من المعايير التي يضعها البنك في حساباته قبل الموافقة على منحه القرض، فتحليل هذه المعلومات تُعطي المسؤولين صورة واضحة عن مدى حُسن إدارته للمشروع وموارده المالية، وقدرته على بلوغ أهدافه المحدَّدة؛ الأمر الذي يبعث على مزيد من الاطمئنان بشأن قدرته على السداد.

 

مصادر البنك للحصول على معلومات بشأن العميل

من أجل الحصول على جميع هذه المعلومات، يلجأ البنك إلى مخاطبة مصادر عدَّة، منها البنوك/ المؤسَّسات المالية الأخرى التي تعامَلَ معها طالِبُ القرض من قبلُ، ورجال الأعمال في المجال ذاته؛ لأنه غالباً ما تكون لديهم معلومات مهمَّة تخصُّ المجال التجاري والمالي عن المتعاملين الآخرين، والأمر يبدو طبيعيّاً للغاية؛ بسبب كثرة المعلومات المتداولة في السوق عن المتعاملين ووفائهم في السداد وسُمعتهم المالية، فيصبحون جميعاً مطَّلِعين على أحوال بعضهم البعض، والمعاملات اليومية المختلفة، ومدى جديّتها.

ومن المصادر الأخرى التي قد يلجأ إليها مسؤولو البنك “القوائم المالية والمحاسبية”، وهي الوسيلة الأمثل للاستعلام عن طالب القرض، والحصول على معلومات دقيقة تكشف عند تحليلها مكامن القوة والضعف في مشروعه، ووضعيته المالية والإدارية الحقيقية.

وأخيراً، قد يطلب المسؤولون عن مَنْح القرض إجراء مقابلة شخصية مع صاحب المشروع، وفي هذا اللقاء يتسنَّى لهم تقييمه؛ من حيث الأخلاق والكفاءة والأمانة، ومعرفة أسباب طلب القرض، وهل تتوافق هذه الدوافع مع سياسة الإقراض لدى البنك أم لا، هذا إلى جانب معلومات إدارية خاصة بالشركة، مثل: نوع نشاطها، تاريخ تأسيسها، منافسيها، وخططها المستقبلية.

وبشكل عام، يسعى البنك جاهداً إلى الحصول على أكبر قَدْر من المعلومات السابقة عن العميل قبل الردِّ عليه بالقبول أو الرفض، ويراعَى في هذا الجانب عنصرين أساسيين، هما: الوقت اللازم للتحري والحصول على المعلومات، والتكلفة المادية المترتبة على عمليات البحث والمراسلة.

 

معايير خاصة بالقروض تؤثر على قرار البنك

هناك شروط أخرى يضعها البنك قبل إتمام القرض؛ صنَّفها بعض الاقتصاديين ضمن المعايير الخاصة بالقرض ذاته، وهي: “مبلغ القرض”؛ فيجب أن يكون المبلغ متوافقاً مع احتياجات المشروع المالية لا يزيد عنها أو ينقص بصورة كبيرة تثير شكوك مسؤولي البنك بشأن مدى احتياج العميل للقرض، وقدرته على السداد في الوقت المحدَّد.

وهنا يجب على صاحب المشروع تحديد موازنته بدقة، ومعرفة المبلغ الذي يحتاجه حتى إتمام مشروعه؛ وذلك كي لا يُفاجأ أثناء سَيْر المشروع بحاجته للمزيد من المال.

ومن المعايير الأخرى الخاصة بالقرض والتي يُوليها البنك أولويةً كبيرة “مدَّة القرض”، بالنسبة إلى المشاريع الصغيرة والمتوسطة؛ فإن غالبية البنوك تُفَضِّل القروض قصيرة الأجل، لكنَّ هذا لا يعني أنها لا تمنح القروض المتوسطة وطويلة الأجل، بل إنها تُفاضِل في إعطاء الأخيرة بحسب الاشتراطات الخاصة بالعميل والمشروع، والتي سبَق الحديث عنها.

أما “مصادر الوفاء” بالقرض فهي أكثر الاشتراطات أهمية، والمقصود بها المصادر المالية التي يملكها العميل، ويسدِّد عن طريقها قرض مشروعه، ويتأكد البنك أيضاً من وجود هذه المصادر لديه ضمن البحوث التي يجريها أولاً.

وبغضِّ النظر عن الاشتراطات المقيِّدة لحصول المشاريع الصغيرة على القروض البنكية، إلا أنها تنال نسبة منطقية منها، لأسباب عدَّة أكثرها أهمية أنها المحرِّك الرئيس لدفع عجلة التنمية المجتمعية، وإحدى أهم ركائز التطور الاقتصادي؛ الأمر الذي يجعل الجهات الحكومية في الكثير من البلدان النامية تسعى إلى تطوير هذا القطاع، وتوفير أشكال مختلفة من التمويل الخارجي بما يحقِّق الأهداف المرجوة منه.

 

اظهر المزيد
إغلاق
إغلاق