كتب ومؤلفات

العمل الخيري والإغاثي


تسعى هذه الدراسة إلى إلقاء الضوء على مفهوم العمل الخيري والإغاثي، بشكله الموسَّع، والذي يتضمن بدوره الأعمالَ الإغاثية في العديد من الميادين الاجتماعية المختلفة؛ الصحية، البيئية، التربوية، وغير ذلك من ميادين إنسانية مهمة، وتحلل الدراسة العديد من المفاهيم والموضوعات المرتبطة بالعمل الخيري، لتشمل العمل الخيري والعمل الإغاثي.

وعُنِيَتْ الدراسة بالتأصيل التأريخي للأعمال الإغاثية والخيرية، للكشف عن تجذُّر حب الخير في النفس البشرية على اختلافها زمانياً ومكانياً، قيمياً وثقافياً، وعقدياً ودينياً.

واهتمت الدراسة، مفاهيمياً، بالإطار الاصطلاحي والإجرائي، للتفريق بين العمل الخيري والعمل الإغاثي من جهة ثانية، لا سيما مع حالة الخلط الشائعة بين تلك المصطلحات واستعمالها في غير محالّها المعتبرة في الكتابات العربية بشكل خاص.

وتدرَّجت الدراسة في إلقاء الضوء على تاريخ العمل الخيري، النقلات النوعية التي صاحبت رحلته وتطوره وصولاً إلى الشكل المؤسسي المعروف به حالياً، بعد أن كان على مدى قرون طويلة مجرد عمل فردي مشتَّت يقوم به بعض الأشخاص من ذوي البر والإحسان إلى المعوزين من الفقراء والمساكين وأصحاب الحاجات.

وعلى الصعيد الشرعي، تناولت الدراسة رؤية الإسلام الحنيف للعمل الخيري، وتأصيله فقهياً من خلال الآياتِ القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، وقد أصَّل الإسلامُ عمل الخير كمسؤولية اجتماعية ذات بُعْد أُخْرَوِيّ غَائِيّ، بما يُحقِّق التدبير الأمثل لشؤون المجتمع الإنساني الكبير.

واستكمالاً للرؤية الإسلامية الرائدة للعمل الخيري، تعمَّقَت الدراسة في دور الوقف الإسلامي في دعم العمل الخيري، وكيف ساهم فقه الوقف في صناعة حضارة إسلامية عريقة كانت على مدى قرون خَلَت منارة للبشرية جمعاء على كافة الأصعدة.

كما تناولت الدراسة الدور الخيري الذي يلعبه العمل الخيري في تنمية المجتمعات الإنسانية والارتقاء بها إلى حد الرفاه ورغد العيش، مع التأكيد على موضع العمل الخيري مجتمعياً كقطاع ثالث، بين القطاعين العام والخاص، تشارك جميعها في عملية النهضة الاقتصادية والاجتماعية والتنموية الشاملة بالدول الحديثة.

وانعطفت الدراسة للتعريف بالجمعيات الخيرية، ونشأتها، وأدوارها، ووظيفتها المجتمعية، مع تحليل أبرز العوائق والإشكاليات التي تقف في طريقها، وكيفية التغلب عليها، وتجاوزها من أجل إتمام دورها المنشود، وتحقيق أهداف العمل الخيري.

وأوضحت الدراسة بالتفصيل أهمية العمل الخيري، الفردي والجماعي، وكذلك أهدافه التي تتلاقى مع أهداف العمل الخيري التنموي والإغاثي بشكل عام. وشدَّدت الدراسة على أهمية نشر ثقافة العمل الخيري في المجتمع كضمانة حقيقية لنمو هذا القطاع الاستراتيجي في التنمية المعاصرة.

وعرَّفت الدراسة ثقافة المشاركة بالعمل الخيري باعتبارها منظومة المعايير والقيم والسلوكيات والأخلاقيات التي تحثُّ الفرد على عمل الخير طوعاً دون الحاجة إلى إكراه، إما بهدف جلب المنفعة أو درء المفسدة، وذلك دون إلزام أو إكراه.

ومن ثَمَّ اتجهت الدراسة لتحليل عوامل جَذْب المتطوعين إلى أداء العمل الخيري والانخراط في مظاهر التطوع المختلفة، وفي المقابل لم تُغْفِل الدراسة تحليل أسباب العزوف الشبابي، عربياً، عن العمل الخيري والتطوعي، وألقت الدراسة الضوء على أدوار أهم الفاعلين الرسميين وغير الرسمين في صناعة الثقافة والوعي التطوعي في المجتمعات العربية والإسلامية، وخاصة الإعلام، والمؤسسات الحكومية، والمؤسسات التعليمية والتربوية، وغيرها.

وأبرزت الدراسة أهم المجالات التي يمكن أن يؤثر فيها العمل الخيري والتطوعي مع تناول بعض النماذج الإحصائية والكمية لما حقَّقته بعض الجمعيات الخيرية الإسلامية والعربية والمنظمات الدولية الرسمية من إنجازات على مستوى العمل الخيري بكافة أنواعه.

ولأن العمل الخيري إطار أخلاقي بالأساس، فقد اهتمت الدراسة بتقديم طائفة من أبرز قيم وأخلاقيات العمل الخيري والتطوعي، بهدف تقديم نموذج شامل ووافٍ لما يجب أن يكون عليه القائم بالعمل الخيري من أخلاق وسَمْت يناسب تلك المهمة الإنسانية الجليلة، مع التأكيد على معياري “الطوعية” المتمثلة في غياب الإجبار والإكراه، و”المجانية” المتمثلة في غياب المقابل، بشقيه المادي والمعنوي.

ولأنه بضدها تتميز الأشياء، لم تنس الدراسة الحديث عن أبرز العوائق والعراقيل، التي تواجه العمل الخيري بكافة أشكاله، لا سيما في مجتمعاتنا العربية والإسلامية بشكل خاص.

وقسمت الدراسة هذه المعوقات والإشكاليات إلى معوقات ذاتية تتعلق بالمتطوع نفسه، ومعوقات مؤسساتية بنيوية تتعلق بالمنظمات التطوعية والخيرية، ومعوقات تتعلق البيئة المجتمعية، كإطار مؤثر وتفاعلي، يحيط بالمتطوعين ومؤسساتهم الخيرية كما يحيط بالفئات المستهدفة على حد سواء.

ولأهمية النموذج الواقعي في السياقات التربوية والتطبيقية، قدَّمت الدراسة طائفة من أبرز المؤسسات الإسلامية والعربية الناجحة، على صعيد العمل الخيري، إلى جانب عدد من النماذج الفردية الناجحة لبعض رجال الأعمال العرب والمسلمين الخيّرين، ومن ثَم انعطفت الدراسة نحو سِيَر مشرفة لمجموعة من روَّاد العمل الخيري العالميين، كان لهم أبلغ الأثر في النهوض بالعمل الخيري والتطوعي على مستوى العالم أجمع، بهدف استلهام تلك التجارب، عربياً وإسلامياً، كواجب وقت، تفرضه علينا الظروف التنموية الراهنة بمجتمعاتنا العربية والإسلامية.

كما تناولت الدراسة آفاق تطوير العمل الخيري من خلال جملة من المحددات أهمها؛ الانضباط الشرعي، والتوجه نحو “مأسسة” العمل الخيري، و”علمية” الحقل الخيري؛ من خلال إعداد الدراسات والبحوث الميدانية اللازمة للتطوير، بما يتسق مع أولوية التخطيط والإبداع في العمل الخيري، في سياق من التخصص في مجالات العمل الخيري المؤسسي، والتنسيق الإغاثي مع المنظمات الدولية المعنية، والعمل على توطين العمل الخيري، وتعزيز الشراكة بين المجتمع ومنظمات الإغاثة، والتدريب المستمر لرفع مستوى الكفاءات التطوعية، والالتزام القانوني والانضباط المالي للمؤسسات الخيرية، إضافة إلى استغراق الشرائح المجتمعية العمل الخيري وخاصة المرأة.

وتُوصِي الدراسة بضرورة زيادة التنسيق الإغاثي مع المنظمات الدولية، وتوطين العمل الخيري، وتعزيز الشراكة بين المجتمع ومنظمات الإغاثة، والتدريب ورفع مستوى الكفاءات الإدارية والدعوية، والانضباط المالي والإداري والقانوني في المؤسسات الخيرية.

وكذلك تَحُثّ الدراسة على تفعيل دور المرأة في العمل الخيري؛ من خلال تدشين صندوق وقفي للمرأة لدعم دورها بالعمل الخيري، ودعوة الدول العربية من خلال وزارات الإعلام والتربية والأوقاف والشؤون الاجتماعية إلى دعم دور المرأة في العمل الخيري؛ من خلال برامجها وأنشطتها المختلفة، وكذلك تفعيل جهود الشراكة بين المنظمات العربية والإسلامية المشتغلة بالعمل الخيري، والتي تجلَّت في دعم وتأييد مبادرة تمكين المرأة في العمل الخيري التي أطلقتها الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية.

اظهر المزيد
إغلاق
إغلاق