مقالات

قوة الثقافة التنظيمية.. من أسرار نجاح المؤسسات؟

في عالَم اليوم المليء بتغيُّرات السُّوق وتزايُد المنافسين، تطمح مُؤَسَّسَات الأعمال للنجاح ببيئة داخليَّة قويَّة تَضْمَن لها الاستمرار وسط الأجواء المتقلِّبَة، ولن يتأتَّى ذلك دون صياغة ثقافة تَنظِيمِيَّة متكاملة يُمكِنها تحقيق الفاعليَّة التَّنظِيمِيَّة للمُؤَسَّسَة؛ داخليًّا وخارجيًّا.

وحتى تتمكَّن المُؤَسَّسَة من حماية كيانها، عليها أولًا بناء ثقافة تنظيميَّة قويَّة وراسخة تُوَفِّر لها عوامل الاستقرار، ويتحتَّم عليها كذلك الاهتمام بالكثير من العناصر الخاصَّة بها، وفي مقدِّمتها الرؤية؛ فالثَّقَافَة التَّنظِيمِيَّة الناجحة تنبُع من رؤية محدَّدة للمُؤَسَّسَة، تعكس بوضوح طبيعة مهامها أو أهدافها، بما يُقْنِع عملاءها المستهدَفين باتِّخاذ القرار نحو التعامُل معها.

ومن الضروري للغاية أن ترتبط رؤية المُؤَسَّسَة بشكلٍ وثيقٍ بالقِيَم التي تتبَّناها، فهي جوهر ثقافتها التَّنظِيمِيَّة؛ لأنها تتمحور حول مجموعة من الإرشادات بشأن السلوكيَّات والمعتقدات الواجب اتباعها مِن قِبَل الأفراد لتحقيق أهدافها. كما يجب أن تُتَرْجَم هذه القِيَم مِن قِبَل الإدارة العليا في صورة استراتيجيَّات إداريَّة غير تقليديَّة، بحيث تكون القاعدة الرئيسة فيها تعزيز الإبداع الفرديّ والجماعيّ، مع مَنْح المُوَظَّفِينَ حُرّيَّة التفكير واتِّخَاذ القرارات فيما يخصُّ مجال عملهم، وخَفْض القيود الإداريَّة لأقصى درجة ممكنة، واعتماد بدائل مميَّزة للقيادة الهَرَمِيَّة التقليديَّة، والقضاء على الألقاب الوظيفيَّة والتدرُّج الروتينيّ في المناصب.

ومن العناصر المهمَّة في حماية الثقافة التَّنظِيمِيَّة للمُؤَسَّسَة أن تتوافق رؤيتها وقِيَمها واستراتيجيَّاتها مع الممارسات الإداريَّة المتَّبَعَة فيها، فتهتمّ بالاستثمار الفَعَّال في العناصر البَشَرِيَّة، والاستفادة المُثْلَى من قُدُرات الأفراد وحثّهم على الابتكار والتميُّز في تقديم كلِّ ما هو جديد، وذلك من خلال بثّ الشَّغَف، وتوفير أجواء المنافسة بينهم، مع بثّ روح الفريق الواحد والتشجيع على العمل الجماعيّ، ما يُعزِّز في النهاية رغبتهم في التعلُّم والتطوُّر الشخصيّ.

كذلك يُعدُّ أداء المُؤَسَّسَة عاملاً حاسماً في حماية ثَقَافَتها التَّنظِيمِيَّة، فيمكِن عن طريقه تطويرها إلى الأفضل أو انهيارها، وبالتالي انهيار كيانها كاملًا؛ لأنه الناتج النهائيّ لعمل المُؤَسَّسَة والذي يُتَرْجَم إلى منتجات أو خدمات مُقدَّمَة للجمهور المستهدَف.

أيضًا لا تستطيع أيّة مُؤَسَّسَة حماية ثقافتها التَّنظِيمِيَّة دون الاستعانة بـفريق عمل مُمَيَّز يشارك في صياغة قِيَمها الأساسيَّة، ويمتلك الاستعداد والقدرة على تَبَنِّي تلك القِيَم، والعمل على تحقيق أهدافها، فعندما تتوافق أهداف كلّ فرد داخل المُؤَسَّسَة مع الأهداف النهائيَّة لها، يحدث التحوُّل الحقيقي.

لذلك من الضروري أن تلتفت المُؤَسَّسَات لسياسات التوظيف التي تتبناها، وأن تعتمد في اختيار الأفراد على الخبرة المهنيَّة والإبداع والابتكار والقدرة على العمل ضِمْن فريق، وأن تسعى لتنمية مهاراتهم، ، وتأهيلهم على تجنُّب الصدمات الثَّقافِيَّة الناتجة عن التفاعل مع الثَّقَافَات التَّنظِيمِيَّة المختلفة للمُؤَسَّسَات التي يتعاملون معها في إطار عملهم.

ليس هذا فقط بل عليها أيضًا تأهيلهم على التعاطي الإيجابي مع التباين العِرْقِيّ والإثني والديني فيما بينهم، واحتوائهم جميعاً في الهيكل التنظيميّ للمُؤَسَّسَة دون تمييز أو محاباة، من أجل الحصول على بيئة عمل منتجة.

تُعْتَبَر “الشِّلَلِيَّة الإداريَّة“، وإشاعة التنمُّر بين المُوَظَّفِينَ بعضهم بعضاً من أبرز العوائق التي تهدِّد استقرار الثقافة التَّنظِيمِيَّة للمُؤَسَّسَة؛ لذا وجب التيقُّظ لمثل هذه المحاولات، واتِّخاذ إجراءات عاجلة ضد أيَّة تكتُّلات داخليَّة تُهدِّد بيئة العمل مثل: تدوير المُوَظَّفِينَ خلال فترات زمنيَّة محدَّدة، وتنظيم جلسات مناقشة أسبوعيَّة بهدف زيادة ولائهم للكيان الأمّ، وإلغاء الحواجز بينهم، وتعديل مواقفهم السلبيَّة إلى اتِّجاهات إيجابيَّة مدعمة لاستمراريَّة المُؤَسَّسَة وبقائها.

ومثل الشللية في العمل، يمكن أن توجَد أيضًا ثقافات فرعيَّة داخل المؤسَّسَة تُهدِّد وحدة الأفراد واستقرار ثقافتها الرئيسة، وتقاوم التغيير الإيجابي، ويرتبط الأمر بصورة قويَّة بحجم المُنَظَّمَة ذاته؛ فالمنظَّمَات الكبيرة الحجم تقاوم التغيير بقُوَّة؛ لأنها تَضُمُّ ثقافات فرعيَّة مُتَعَدِّدَة تفضِّل الثبات وترفض التغيير.

كذلك فإن أحد أهم العوامل المؤثِّرَة في استمرار المُؤَسَّسَة: الحرص على تنمية الحسّ الابتكاري الذي يساهم في تعزيز قُدْرَة المُؤَسَّسَة على التكيُّف مع المُتَغَيِّرَات الخارجيَّة للعمل؛ فالثقافة التَّنظِيمِيَّة القويَّة هي التي تتواءم بمرونة مع ظروف السوق أو التقاليد السائدة في بيئة العمل الخارجيَّة.

نستخلص مما سبق أن جميع الشواهد في عصرنا الراهن تؤكِّد على أنَّ الفَرْق الرئيس بين المُؤَسَّسَات الناجحة عن غيرها، لا يكمُن فقط في مدى توافر الموارد والإمكانات المادِّيَّة أو نُدرتها، بقَدْر ما يرتبط بمدى قُدْرَة هذه المُؤَسَّسَات على حماية جهودها التَّنظِيمِيَّة وترسيخ ثقافتها لدى العاملين والعملاء المستهدفين على حدٍّ سواء، ما يترك انطباعًا إيجابيًّا بقوة ومتانة هذا الكيان، وقدرته على الاستمرار والتعاطي مع أيّة متغيرات داخلية أو خارجية.

اظهر المزيد
إغلاق
إغلاق