العلامة التجاريةمقالات

“كومباك”.. قصة انهيار واحدة من كبرى العلامات التجارية في مجال الحوسبة الشخصية

تُعتَبر “كومباك” مثالاً صريحًا على تهاوي المؤسسات التي ترفض التجاوب مع التطورات المتلاحقة في عالم التكنولوجيا بتقديم ابتكارات مذهلة تخطف أعين العملاء وعقولهم، فظلّت على استراتيجيتها الأولى منذ التأسيس، ولم تتمكَّن من مواكبة منافسيها في سرعة نمو التقنية، وتقديم أسعار تنافسية، وكان مصيرها الاندماج مع “إتش.بي” أكبر منافسيها آنذاك حتى اختفت علامتها التجارية تدريجيًّا.

وتمثّلت بداية “كومباك” في اجتماع ثلاثة أصدقاء أميركيين همّ “كانيون” و”روزين” و”هاريس” العام 1982م على فكرة تأسيس شركة لتصنيع أجهزة الحاسوب في ولاية تكساس، وبالفعل ظهر هذا الكيان للنور، وأطلق عليه “كومباك”، وخلال أعوام قليلة باتت الشركة من أكبر موردي أجهزة الحواسيب الشخصية في العالم محققةً مبيعات هائلة لا سيما في نُظُم التشغيل.

تمكَّنت الشركة بمنتجاتها عالية الجودة ذات التصاميم الأنيقة والمميزات التكنولوجية المبتكَرَة من اكتساح العملاق الأميركي الأزرق “آي.بي.أم”، وبلغت مبيعاتها العام 1990م نحو 3.6 مليار دولار.

“كومباك” تسجِّل مبيعات سنويّة تُقدَّر بـ10.5 مليار دولار

ومما دعَّم موقفها السوقيّ استحواذها على شركة “تدمون كومبيوترز” العام 1997م، والتي كانت تأسَّست على أيدي موظفين سابقين في شركة “إتش. بي”، وفي العام التالي تمكَّنت أيضًا من ضمِّ “ديجتال إكويبمينت كوربوريشين”.

توسَّعت “كومباك” في سلسة متنوعة من المنتجات التكنولوجية المبتكرة التي لاقت إقبالاً كبيرًا من المستهلكين، مثل: الكاميرات الرقمية والطابعات والآلات الحاسبة والماسحات الضوئية والمساعدات الرقمية الشخصية والخوادم، وسجَّلت مبيعات سنوية تُقدَّر بـ10.5 مليار دولار.

يُحسَب للشركة تجربتها التسويقية الفريدة؛ إذ كانت تستغل وسائل الإعلانات كافة، سواءً التقليدية أو عبر الإنترنت في الترويج لمنتجاتها والتركيز على نقاط القوة التي تتمتَّع بها، ومن جانب آخر حرصت على بناء ولاء العملاء فطوَّرت طرق الوصول إليهم والفوز برضاهم؛ فدشَّنت موقع ويب خاصاً بها يقوده فريق عمل متكامل على أعلى مستوى، والذي أصبح مدعومًا فيما بعد من قِبل شركة “إتش. بي”.

باتت “كومباك” في المركز الرابع والعشرين بين أكثر العلامات نجاحًا في المجال على مستوى العالم، وأصبحت مسؤولة عن إنتاج 20% تقريبًا من الحواسيب في الولايات المتحدة الأميركية، إلى جانب انتشارها في أكثر من 40 بلدًا بمنتجاتها التي تفوقت على كثير من غيرها في سوق المنافسة الإلكترونية.

للتغلُب على إخفاقها.. “كومباك” تسرِّح 7% من موظفيها

بدأ الإخفاق الحقيقي في مسيرة “كومباك” حينما لم تَستطع مواكبة التطور والإبداع المتناميين في عالم التقنية، فمنذ تأسيسها كان تركيزها مُنْصَبًّا على الجودة دون الاهتمام بالسعر المناسب، وحقَّقت هذه الاستراتيجية نتائج جيدة في البداية، وهو ما كان ملائمًا للفترة ذاتها؛ إذ أبدى العملاء اهتمامًا كبيرًا بجودة المنتج، وسهولة استخدامه دون الالتفات إلى ارتفاع السعر، وذلك في ظلِّ نُدْرَة البدائل الأقل تكلفة.

لكن مع احتدام المنافسة وتحوُّل الحواسيب إلى منتجات ضرورية غَزَتْ السوق شركات عدَّة، مثل: “ديل”، و”لينوفو”، و”توشيبا”، و”آيسر”؛ فتبدَّلت أولويات العملاء إلى الحرص على القيمة مع السعر المناسب، ولم تُبْدِ “كومباك” اهتمامًا بتغيير استراتيجيتها القديمة متجاهلةً تغيُّرات السوق، وكانت النتيجة انخفاضاً حاداً في المبيعات بصورة كبيرة مقابل نجاح المنافسين في اختطاف حصتها السوقية، وجذب انتباه المزيد من المستهلكين بمزايا جديدة وأسعار مخفَّضة فَأُجْبِرَتْ على تسريح 5 آلاف موظِّف، أي 7% من موظفيها حول العالم

ومع نهاية العقد الماضي تزايدت مشاكلها المالية، وتراجع ترتيبها في قائمة أكبر 500 شركة حول العالم حتى غادرتها تمامًا.

اندماج “كومباك” و”إتش .بي” مقابل 25 مليار دولار أميركي

وفي العام 2002م وافقت الشركة على الاندماج مع العملاق “هيوليت باكرد– إتش .بي” مقابل 25 مليار دولار أميركي، وأصبح اسم الكيان الجديد في سوق الأوراق المالية “إتش. بي. كيو”، وهو دمج لرمز الشركتيْن معًا للدلالة على التحالف، أما علامة “كومباك” المستقلة فاختفت منذ ذلك الوقت.

كانت أولى السياسات التي اتخذتها إدارة “إتش.بي” النهوض بالمبيعات الإجمالية، فخَفَّضت التكلفة الإنتاجية لعمليات التصنيع التابعة لـ”كومباك”، ونقلتها إلى بلدان أقل تكلفة بالنسبة إلى الأيدي العاملة، مثل: سلوفاكيا التي اختصَّت بتصنيع المنتجات الموجَّهة للمتحدثين باللغة الإسبانية، وبلغاريا للمنتجات الموجَّهة للمتحدثين بالألمانية، وكوستاريكا للعملاء المتحدثين بالإنجليزية، والصين للعملاء الناطقين بالعربية.

حقَّقَت الشركة نجاحًا منقطع النظير بعدد عملاء يتجاوز المليار في 162 دولة حول العالم، وأصبحت المزوِّد العالمي الرئيس لمنتجات الحاسوب وحلول وخدمات مجال تقنية المعلومات، وفي العام 2013م أعلنت “هويليت باكارد” اعتزامها التخلُّص تدريجيًّا من العلامة “إتش. بي. كومباك”، وأن اسم “كومباك” سيُستخدم فقط مع منتجات الشركة منخفضة القيمة، مثل: الحاسب المكتبي Compaq Elite 8300 والحاسب الشخصي Compaq Pro 4300.

بين “ديل” و”آي.بي.إم”.. “كومباك” في مواجهة قطبيْن شرسيْن

قبل اندماجها مع “إتش.بي” واجهت “كومباك” منافسةً نارية بين قطبيْن شرسيْن هما “ديل” و”آي.بي.إم”، فكانت ولازالت الأولى تُركِّز على تصنيع الكمبيوتر الشخصي وفقًا للمواصفات التي يريدها العملاء وبأسعار مخفضة نسبيًّا؛ لأنها تعتمد التسويق المباشر، أما الثانية فهي عملاق التكنولوجيا الذي يتوسَّع باستمرار في أنظمة الحاسوب إلى جانب إنتاجه أنواع متفرِّدة من أجهزة الكمبيوتر، لكنه يشتهر بجودة تكنولوجية عالية وارتفاع التكاليف.

في حين بقيت “كومباك” وحدها تجمع بين ارتفاع التكنولوجيا والتكاليف، ما جعلها تخسر المنافسة، وذهبت حصصها السوقية إلى آخرين، حتى اضطرت في نهاية المطاف لقبول الاندماج مع “إتش.بي”، والذي كان بداية نهاية علامتها التجارية، التي لم يَعُدْ لها مكانة دولية مرموقة كما في السابق، بل باتت لصيقة بمنتجات “إتش.بي” ذات القيمة المنخفضة.

“كومباك”
القيمة السوقية سعر السهم الواحد للشركة 35.12 دولار في أغسطس 2001م.
عدد الموظفين حول العالم 71428  موظف حتى 2001م.
عدد الدول التي تنتشر فيها تُباع منتجاتها في 200 دولة عبر التسويق المباشر والشركاء المعتمدين.
النتائج المالية بلغت خسائرها في الرُبع الرابع للعام 2001م نحو2.1 مليار دولار.
اظهر المزيد
إغلاق
إغلاق