المشاريع الصغيرةمقالات

كيف يمكن تنمية المجتمعات العربية عبر المشاريع الصغيرة؟

 

تعاني غالبية الدول العربية من تداعيات التردِّي الاقتصادي والاجتماعي، الذي ينعكس على ازدياد حجم الديون الخارجية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة مقابل انخفاض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، رغم أنها تمتلك نحو 60% من احتياطي النفط العالمي و25.5% من احتياطي الغاز، ولا تُستَغَلُّ فيها أكثرُ من ثلث الأراضي الصالحة للزراعة فقط؛ الأمر الذي يؤكِّد غياب استراتيجية دقيقة وموحَّدة لاستثمار هذه الموارد والإمكانات الذاتية المختلفة.

وتُعَدُّ المشاريع الصغيرة والمتوسطة من الفُرَص الثمينة “حديثة العهد” لاستغلال هذه الموارد والإمكانات معاً في المجتمعات العربية؛ من أجل تشغيل الأيدي العاملة وتنمية الصادرات، وتقليص الواردات، والارتقاء بمتوسط دخل الفرد، وتحقيق الرفاهية مع عدالة في التوزيع، وكذا توجيه الأنظار إلى الفُرَص الاستثمارية غير المستغلَّة في مناطق معينة، مثل: الصحراء والأرياف.

ورغم أهمية المشاريع الكبيرة إلا أنه لا يمكنها بأيّ شكلٍ من الأشكال دَفْع عجلة التقدُّم الاقتصادي بمفردها، بل يتطلب الأمر تنويع مصادر الدَّخْل، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وتكامل الأنشطة الاقتصادية المختلفة، وتوازن عملية التنمية، وتحقيق الاستقرار بصوره كافةً، وهو ذاته ما تُوفِّره المشاريع الصغيرة التي باتت تُشكِّل نسبة 90% من اقتصادات العالم، وتساهم بـ30% من الناتج القومي في الدول المتقدمة وربما تصل النسبة إلى 75% في بعضها، وتوفِّر فُرَص عملٍ لنحو 50% من العناصر البشرية العاملة.

 

اعتبارات مهمّة تقود المشاريع الصغيرة إلى تحقيق التنمية

وتساهم المشاريع الصغيرة – بمفهومها الشامل- في بلوغ هذه الأهداف استناداً إلى اعتبارات عدّة، منها أنها النواة الأولى للمشاريع المتوسطة والكبيرة، وكذلك فهي من أبرز الآليّات الفعَّالة في تنويع قاعدة المنتجات/ الخدمات والصناعات المحلية, وهي تُمَثِّل بدورها الهيكل الاقتصادي القوي للدولة.

بالإضافة إلى أنها إحدى حلقات التوازن في بيئة الأعمال؛ لما تتميز به من مرونة وسرعة استجابة لمتغيّرات السوق المحلية والعالمية، وتفيد في الاستخدام الأمثل للمدخرات ورؤوس الأموال الوطنية والتكنولوجيا المحلية، كما أنها تُخَفِّض عامل المغامرة؛ لأنها تتسم بصِغَر حجم الاستثمارات، وبالتالي تحُثُّ أكبر عدد ممكن من الشباب على خوض التجربة.

 

معوقات المشاريع الصغيرة في الدول العربية

من هنا، باتت المشاريع الصغيرة موضع اهتمام كبير من الحكومات العربية، وظهرت توجُّهات رسمية لدعم الدور المهم الذي تلعبه في اقتصاداتها بتغيير السياسات واللوائح التي قد تُعيق عملها، وتوفير بيئة اقتصادية صحيَّة لروّاد الأعمال الناشئين، فأوضحت الإحصاءات المتاحة عن بعضها أن عدد المشاريع الصناعية الصغيرة تمثل 95% في مصر، و42% في تونس، و50% في المغرب. (“المشروعات الصغيرة وأثرها في التنمية الاقتصادية مصر نموذجاً”، الناشر: “مدونة الدكتور أحمد دهشان”، 2017م).

لكن رغم ارتفاع هذه المعدلات إلا أن المشاريع الصغيرة لازالت تواجِه الكثير من التحديات في الوطن العربية، تتمثَّل في ضعف التمويل، وعدم تعدُّد آلياته، وضعف علاقات الترابط مع المشاريع المتوسطة والكبيرة، وتهميش ثقافتي الابتكار والإبداع، وغياب ثقافة العمل الحرّ، وتفضيل العمل الحكومي الأكثر أماناً واستقراراً.

وتشكِّل كذلك الإجراءات البيروقراطية أكبر العوائق الإدارية، وتتضح بقوة في ارتفاع تكلفة استخراج الوثائق وطول الفترة الزمنية لإنهائها، وتعدُّد الأطراف الحكومية المعنيَّة بها، هذا إلى جانب غياب الشفافية، وارتفاع معدلات الفساد الإداري، وعدم توافر عناصر بشرية عربية ذات مهارات إدارية وفنية متميزة، ونقص دراسات الجدوى الاقتصادية؛ بسبب عدم توافر البيانات الدقيقة عن السوق وغياب قوانين الملكية الفكرية وارتفاع تكلفة تسجيل براءات الاختراع.

 

كيف نستفيد من المشاريع الصغيرة ؟

إنَّ ما اتخذته الحكومات العربية من إجراءات قانونية واقتصادية لا يمثِّل سوى نسبة ضئيلة من الخطوات الجادة التي يتعيّن عليها السير تجاهها لتحقيق أقصى استفادة مُمكنة من هذه المشاريع في عملية التنمية، فيتوجَّب عليها أخذ بعض التوصيات المهمة في الاعتبار حين النظر إلى إجراءات دعم المنشآت الصغيرة فيها، من أبرزها: تطبيق تعريف موحَّد للمنشآت/ المشاريع الصغيرة على نطاق الوطن العربي؛ وهنا يمكن القول إن اختلاف تعريف المشاريع الصغيرة وقوانينها من دولة إلى أخرى؛ يُشتِّت جهود التكامل القومي فيما بينها، لذلك فإنَّ صياغة تعريف موحَّد وشامل يساعد على تحقيق الترابط مستقبلاً، واتساع نطاق الفائدة لتشمل أكثر من دولة عربية معاً.

وكذلك فإنَّ اندماج منظومة المشاريع العربية تحت مِظَلَّة الأعمال الحكومية الرسمية يُتِيحُ لأصحابها الاستفادة من المزايا الإدارية والمالية التي يُوَفِّرها القطاع الحكومي؛ الأمر الذي ينعكس على خَفْض التكاليف والاستفادة القصوى من الموارد، كما يجب الالتفات إلى أهمية إلغاء القيود البيروقراطية التي تُعيق سَيْر عمل المشاريع الصغيرة بصورة كبيرة، وتصيب أصحابها وغيرهم من روّاد الأعمال بالفتور والضيق، وعدم الرغبة في خَوْض التجربة مجدداً، إلى جانب تأثيرها السلبي على الاستثمارات الأجنبية.

 

إصلاح السياسات الإدارية لرفع القدرة التنافسية

تنطوي المشاريع الصغيرة على جانب مهمّ هو أنها النشاط الاقتصادي الأكثر اعتماداً على الموارد المحلية والتكنولوجيا المتاحة، لذلك عند الاهتمام بـ”تطوير نُظُم التعليم والتدريب”، والتركيز على جانبي الإبداع والابتكار لدى روّاد الأعمال؛ فإنها ستصبح أكثر قدرةً على بلوغ أهدافها في وقت قياسي صغير، وستحقق المزيد من الانتشار داخليّاً وخارجيّاً.

ويمكن الوصول إلى ذلك عبر الاستفادة من خبرات العقول العربية المهاجرة، أو استقدام الخبراء الأجانب إلى الدول العربية، وتنظيم لقاءات بحثية تسهم في تطوير القدرات التكنولوجية، والنهوض بمهارات الشباب في مجالات الإدارة والأعمال والتقنيات التكنولوجية، وغيرها مما تتطلبه البيئة الاقتصادية فيها.

وعند الحديث عن إصلاح السياسات الاقتصادية، فإننا سنتطرق إلى دراسة بحثية صادرة عن غرف مجلس التعاون الخليجي، والتي أكدت عدم وجود سياسات اقتصادية محفِّزة للمشاريع الصغيرة، بل إن غالبها متحيزة ضدها، وتخضع الامتيازات المقدَّمة لأصحابها لضوابط عدّة. (“المشروعات الصغيرة وأثرها في التنمية الاقتصادية مصر نموذجاً”، الناشر: “مدونة الدكتور أحمد دهشان”، 2017م).

فمثل هذه السياسات تؤثِّر تأثيراً مباشراً على آليّة عمل المشاريع الصغيرة، وقدرتها على تحقيق المقصود منها، ولذلك إذا عَمِدَتْ الدول العربية إلى تغيير السياسات الإدارية لصالح تنمية بيئة الأعمال، ودعم روَّاد الأعمال بما يتلاءم مع أُطُرِهَا السياسية والاجتماعية والبيئية؛ فإنها ستحقِّق نتائج مذهلة على المَدَيَيْنِ القريب والبعيد.

 

صندوق المشاريع العربية.. الحاضن القومي لصغار المستثمرين

يتحدَّد نجاح المشاريع الصغيرة بمدى قدرتها على الاستمرار في السوق، وتفوق منتجاتها أو خدماتها من حيث الجودة والسعر على منتجات المنافسين، لا سيما الأجانب، ومن هنا صار لزاماً على الحكومات العربية دعم صغار مستثمريها؛ باعتماد سياسات ترفع القدرة التنافسية لديهم، ما يُعزِّز روح المبادرة لديهم، ويمنحهم الميزة التنافسية أمام المستثمرين الأجانب، سواءً في الداخل أو الخارج.

وأخيراً، ربما يكون الأكثر جدوى إنشاء صندوق لدعم المشاريع الصغيرة في الدول العربية كافةً، على غِرَار “الاتحاد العربي للمنشآت الصغيرة”، يَحْظَى بوسائل الدعم المادي والإداري والفني والتكنولوجي من حكوماتها، ويكون الحاضن القومي لجهود صغار المستثمرين يوجِّهها لما فيه صالحهم وصالح وطنهم العربي، ويُخفِّف عنهم أعباء المغامَرَة، وذلك بالطبع دون إغفال توحيد جهود المجتمع المدني مع الجهود الرسمية لتوفير بيئة مشجِّعة على تأسيس، وتشغيل مثل هذه المشاريع حتى تكون قادرة على المنافسة ودعم الاقتصاد العربي.

اظهر المزيد
إغلاق
إغلاق