ريادة الأعمالمقالات

كي نخلق بيئة ريادية

يمكن اعتبار ريادة الأعمال محدداً رئيساً لمستوى الأداء الاقتصادي، كما أنَّ إثبات دَوْرَها الْبِنْيَوِيِّ والدِّينَامِيِّ المُحَرِّك للاقتصاد في شموليته، وأيضاً تصنيفاته، لم يَعُدْ محلَّ إثبات لجدوى الريادة من عدمها، بل انتقل النقاش إلى ضرورة دعم هذه التشكيلة الواسعة من مشاريع الريادة، والتي تفترض مُسبقاً وجود بيئة مناسبة ومستقرة تُفْضِي إلى تشجيع رائد الأعمال في المُضِيِّ قُدُماً بمشاريعه، ويعتمد في حد ذاته على استقرار إطار الماكرو-اقتصادي، وكفاية شروط الإطار العام.

بقلم: يحيى عمر

فأحد المقولات المُلهمة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حاكم إمارة دبي، تشير إلى أن “وظيفة الحكومات خَلْق البيئة التي يستطيع الناس أن يحقِّقُوا فيها سعادتهم”، وبالتالي تُؤكِّد أن البيئة التي تخلُقها الحكومات من أجل إسعاد الناس، هي أحد وظائفها الإجبارية، وليست ترفاً أو رفاهيةً.

وكوْنُ ريادية الأعمال أحدَ سمات المجتمع الباحِث عن النهضة الاقتصادية؛ فالبيئة الإيجابية والداعمة للاستثمار والأعمال التي تصنعها الحكومات تتضاعف أهميتها، وترتبط عموماً بالأهداف الاستراتيجية للنمو الاقتصادي. كما تقتضي أيضاً توفُّر عوامل مؤثرة في صنع بيئة ريادية.

عوامل مؤثرة.. الأشخاص الرياديين:

بدون هؤلاء الأشخاص المتميزين لن يكون هناك إبداع، ولا ريادة في الأعمال؛ حيث تتمحور عقلية الريادة The Entrepreneurial Mindset  من خلال  السؤال عن “الوسيلة – الاستراتيجيات” التي يجب أن يَتْبَعَهَا الرياديُّ أثناء التعامل مع المشاريع الصغيرة؛ خصوصاً في ظل الظروف الغامضة المحيطة بالمشروع في بدايته، وطَرْحِه لمنتجات أو خدمات جديدة.

فالرياديُّ له حَدْسٌ ثاقِبٌ وقُدرةٌ خاصة على تحليل الظروف والرؤى المستقبلية التي تساعده في استشراف ما سيحدث بالمستقبل.

وعلى الرغم أنه من الصعوبة بمكان تقدير مثل هذا الغموض الموجود في المحيط نتيجة التطور السريع، إلا أن الريادي يختلف عن الآخرين في قدرته على معرفة الأولويات، وإقامة  التوازن المطلوب بين إنشاء عمليات تتوخى الربحية، وتبني التقييم الصحيح للفُرَص المستقبلية.

ولهذا فالريادي يستفيد من خلال الـ “Value Present Net ”  في تقدير التدفقات النقدية المستقبلية، وتحديد قيمة المخاطرة، وكيفية تقليل التكاليف، وبالتالي يسعى إلى تقليل التحديات ومآزق السوق، والبحث عن ملاذ السوق الجانبي ” Niches Market “؛ لتحقيق نوعٍ من المنافسة الأقل مع الآخرين.

كما يعمل أيضاً على عدم طرح منتجات عدةٍ في آنٍ واحِدٍ، تؤدِّي إلى مواجهة صعوبة إدارة مثل هذه الخطوة التسويقية المحفوفة بمخاطر أكيدة؛ إذ بدلاً من أن يمضي رائد الأعمال سنتين على الأقل في إنجاز مشروع متعدِّد الوجهات،  فمن الممكن أن يتحقق له ذلك بالتركيز على منتَج واحد خلال 6 أشهر، دون إغفال الموازنة ما بين الموارد البشرية والموارد المادية.

وفي هذه الحالة، يحتاج الريادي إلى سُوقٍ واعِدَةٍ منفتحة حتى يستطيع تقييم أعماله وأدائه، مقارنةً مع غيره من المشاريع الأخرى الناجحة، بالإضافة إلى توفُّر خدمات مالية إلكترونية، وتسهيلات تمويلية وتسويقية أخرى.

ومن هنا فإنَّ الريادي لا بدَّ له من تحسين موقعه التنافسي؛ من خلال نهج أساليب التطوير التكنولوجي، وترقية إجراءات الإنتاج والجودة من أجل تعظيم الخصائص، والمزايا الإنتاجية والخدماتية لديه، والذي يولِّد قناعةً لدى الزبائن بوجود اختلاف لهذه المنتجات عن غيرها من المنافسين.

فضلاً عن كل هذا، يجب الأخذ بعين الاعتبار تحليل سلسلة الاستهلاك Analysis Chain Consumption  والتي تتعلق بالتمايز الإيجابي للمنتجات، ونمط تفكير المنافسين لتحقيق التفوق بالسوق.

الدور المهم لحاضنات الأعمال:

تساهم حاضنات الأعمال Business Incubators  بخلق صور ذهنية للنجاح أمام الراغبين في وُلُوج مجال الأعمال من المبتدئين أصحاب المشاريع الصغيرة؛ حيث المزايا التي توفِّرها الحاضنة تعتبر عاملاً جوهرياً في نجاح المشاريع الصغيرة؛ إذ إنَّ هدف الحاضنات الأساس ليس تمويلياً بالضرورة بقدر ما تستهدف توفير تسهيلات كبيرة ومساعدات ميسرة لنمو الأعمال وازدهار المشروعات، على غرار توفير تمويلات بسيطة في جوانب معينة للمشروعات الناشئة. ومساحات عمل مكتبية جيدة للمشروعات الناشئة التي لا تتوفر على مقرِّ عمل. وتقديم خدمات استشارية ومهنية لهذه المشروعات؛ لتسريع نضجها، وجذب أرباح مبدئية.

وإيجاد بنية أساسية مساعدة من طرق ونقل واتصالات.

فالمراحل الأولية لإطلاق المشروعات الريادية تكون حَرِجَة وصعبة، يشوبها الكثير من المشاكل؛ لذلك تعتبر حاضنات الأعمال الحلَّ الأمثل لاحتضان المشروعات الناشئة، والمساهمة في توفير مصروفاتها، مع الدعم التقني والمهني اللازمين.

عوامل أخرى في صالح ريادة الأعمال:

تعتبر المكافآت من أحدث التوجهات التي تستهدف مشاريع روّاد الأعمال؛ إذ يسعى المستثمرون إلى جذب روّاد هذه المشاريع الناشئة للمشاركة في المسابقات والفعاليات لعرض ابتكاراتهم وإبداعاتهم، ومن ثَمَّ الفوز بالدعم أو العرض لِبِنْيَةِ مشاريعهم.

كما أن حقوق الملكية من أهم الأمور الجوهـرية التي يجب أن يهتم بها رائد الأعمال قبل إطـلاق المشروع؛ عبر التحديد الواضح لمفهومي “الملكيـة”، و”الشراكة” في هذا المشروع، وقطعاً؛ من الأفضـل لرائد الأعمال أن يملك المشروع كاملاً، وهو ما يوفِّر له مرونةً أكبر في اتخاذ القرارات، والجرأة في طرق الأبواب، والسعي الدائم للتطوير.

وُفُورَات الحجم أو وُفُورَات المجال، أو شبكة العملاء؛ إذ كلما تزايد العائد على حجم الشركة أو تنوع منتجاتها، أو حجم شبكة عملائها؛ كلما كان من الأفضل السعي للنمو السريع، فعندما يدفع الحجم إلى تزايد الربحية، سرعان ما يبدأ حَصْد ثمار النمو.

ومن ذلك أيضاً القدرة على الاحتفاظ بالعملاء والموارد؛ يبدو النمو السريع الخيار الأمثل للعديد من الشركات الريادية، بما أن أغلب العملاء يميلون إلى البقاء مع الشركات التي بدؤوا معها تعاملاتهم، سواءً كان ذلك لتجنُّب التغيير، أو بسبب تكلفة التحوُّل إلى شركة أخرى؛ لهذا يُمَكِّنُ النمو السريع للشركة من تأمين الموقع المميِّز، أو السيطرة على موقع جغرافي لا يحتمل إلا متجراً عملاقاً واحداً حتى وإن كانت وُفُورات الحجم المحلية محدودة.

وتعمل ريادة الأعمال على نمو المنافسة؛ وذلك لأن المنافسة عندما تزداد وتتوسع بسرعة فقد تُجْبِر الشركة على التوسع بشكل مماثل. في الأسواق التي غالباً ما تحدِّد فيها شركة واحدة معايير الصناعة؛ كسوق برامج أنظمة تشغيل الحواسب الشخصية، وقد يكون النمو سريعاً بما يكفي للبقاء في المقدمة هو الأمل الوحيد للشركة الناشئة.

وإلى جانب هذه  العناصر المؤثرة في بيئة ريادة الأعمال، لا بدّ من التذكير أيضاً أن التعليم وثقافة المجتمع، وكذلك مستوى دخل الفرد وتكلفة المشروع، كلها عوامل تلعب دورها في التأثير على بيئة ريادة الأعمال بما يحقِّق التوازن الإقليمي في مجال المجتمع لفائدة عملية التنمية الاقتصادية؛ من تجارة، وصناعة، وخدمات.. إلخ.

وتسعى كذلك هذه المشاريع إلى الانتشار الجغرافي، وتحقيق المزيد من المنافسة في سوق العمل، بالإضافة إلى قدرتها على تغطية الجزء الكبير من احتياجات السوق؛ كونُها العامل الأساس في بناء هيكل الإنتاج والاقتصاد في شتى دول العالم.

لتحميل المقالة بصيغة PDF أنقر هنا

اظهر المزيد
إغلاق
إغلاق