تحديات “ريادة الأعمال”

شهد العالم خلال العقود الثلاثة الأخيرة أكبر تحدٍّ على الإطلاق بعد ظهور ما يُعرَف بـ “التنمية المستدامة”، و”أجندة التنمية 2030″، وبات تحقيق هذه الأجندة أبرز أولويات الدول المتقدمة والنامية على حدّ سواء، ومُنِح مجال “ريادة الأعمال” النسبة الأكبر من الاهتمام العالمي؛ لما له من دور مؤثِّر على تشجيع روح الإبداع والابتكار، وإقامة بنى تحتية قادرة على الصمود أمام قضايا الفقر والبطالة وغيرها، بالإضافة إلى قُدرته على استغلال الموارد المتاحة، وتحويلها إلى فُرَص اقتصادية غير مسبوقة.

 

ومن هنا تَمَّت بَلْوَرَة فكرة ريادة الأعمال كحلٍّ رئيس مَرِن من أجل القضاء على المشاكل الاقتصادية المتراكمة الآن، والتي تمثِّل تحدياً كبيراً أمام دول العالم، المتقدم منها والنامي.

وتركّز أهداف التنمية في المجتمعات النامية على النهوض بالابتكار والصناعة، وريادة الأعمال، وتحويل ثقافة الأفراد من استهلاك التكنولوجيا إلى تذليلها محلياً في مشاريع صغيرة تعمل على تشغيل نسبة كبيرة من القوى العاملة، وإمداد أصحابها بالدعم المالي المختلف، مثل الائتمان قليل التكلفة، علاوة على النهوض بمعدلات النمو الاقتصادي، ورفع معدلات الدخل القومي من أجل رفع الضغوط من على كاهل ميزانيات الدول، وتوفير بِنْية تحتية تكنولوجية وأساسية تساعد على النهوض بالاقتصاد ككل، فهذا التحدي يحتاج إلى أدوات من أهمها ريادة الأعمال.

 

نشر وتسويق ثقافة الابتكار ودعم البحث العلمي:

حرصت كثير من دول العالم النامي على زيادة كفاءة استغلال الموارد المتاحة لديها وتنميتها، وتعزيز دور البحث العلمي، وتشجيع الابتكار بمضاعفة أعداد العاملين فيه بصورة مستمرة، ودعم القطاعين العام والخاص في عمليات البحث والتطوير.

ولا شكّ أنّ جميع هذه الغايات ستُلقِي الضوء على أهمية الدور المطلوب من المبتكرين وروّاد الأعمال في هذه الدول خلال عملية المشاركة في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، وستدفع الحكومات وصُنّاع القرار إلى تشجيع نشر وتعليم ريادة الأعمال.

في حين أن بعض الدول النامية لم توفِّر الآلية التشريعية أو القانونية أو التنظيمية من أجل تفعيل منظومة ريادة الأعمال؛ حيث فقَدَت تلك الدول الثقة في إمكانات تلك المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وكونها قوة تؤدِّي إلى التأثير الفعَّال على الصعيد الاقتصادي المحلي والدولي، وبالتالي لم تمنح كامل الثقة لهؤلاء المبادرين في خوض غمار تلك التجربة الاقتصادية.

 

دعم رائدات الأعمال في الدول النامية

مع ازدياد معدلات البطالة في البلدان النامية وخاصة بين فئتي الشباب والنساء، اتجهت كثير من الدول إلى إعطاء مساحة كبرى للقطاع الخاص للقيام بدوره في دعم الاقتصاد الكلي للدول، والاهتمام بتعليم النشء قواعد ريادة الأعمال؛ والمساهمة في توظيف العنصر البشري، خاصة المرأة والشباب.

وحرص البنك الدولي مؤخراً على جمع أكثر من 1.3 مليار دولار من المِنَح؛ بهدف دعم وتمويل مشاريع النساء أو الشركات الصغيرة والمتوسطة المملوكة لهنّ في الدول النامية، ومساعدتهنّ على الوصول إلى الأسواق الدولية المختلفة؛ حيث إنّ أكثر برامج التنمية المستدامة لدول العالم طالبت بتمكين المرأة من المساهمة الاقتصادية الفعَّالة في الدول عبر بوابة ريادة الأعمال.

كما أعلن البنك عن إتاحة فرص تمويل تزيد قيمته على مليار دولار لتعزيز مجال ريادة الأعمال للنساء في البلدان النامية، وتقديم المساعدات الفنية لهن، ودعم قدرتهنّ على الوصول إلى الأسواق المحليّة والعالمية.

وتعتبر مبادرة تمويل رائدات الأعمال “We- Fi” الأولى في هذا المجال التي يقودها البنك الدولي لتشجيع ريادة النساء، وأكّد تقريرٌ صادرٌ عن البنك أنَّ الشركات المملوكة للنساء تبلغ أكثر من 30 % من منشآت الأعمال الرسمية المُقَيَّدَةِ على مستوى العالم، وأن 70 % من منشآت الأعمال الصغيرة والمتوسطة المملوكة لهنّ في الدول النامية عاجزة عن التعامل مع المؤسسات المالية أو الحصول على خدمات مالية بشروط مناسبة، وينتج عن هذا بالتالي نقص سنوي في معدل الائتمان بنحو 300 مليار دولار لشركات الأعمال الصغيرة والمتوسطة الحكومية المملوكة للنساء.

وللأسف؛ فإنّ الأمر في الدول الفقيرة يكون أكثر تعقيداً؛ حيث تُجَابِه ريادة الأعمال بوجه عام، ومسألة تمكين المرأة بوجهٍ خاص تحدياً كبيراً؛ بسبب ضَعْفِ الإمكانات، وضَعْفِ معدلات النمو الاقتصادي، وانعدام الرؤية. لذا يجب على الدول النامية توفير الموارد البيئية، والتشريعية، والإدارية، والمالية، والتدريبية لإنجاح منظومات ريادة الأعمال.

 

النظام البيئي أبرز تحدّيات الريادة في الدول النامية

في الوقت الذي تعاني فيه البلدان النامية من قدرات مالية محدودة يصعب معها إيجاد فرص عمل، واستيعاب الوافدين الجدد لسوق العمل، جاءت أهمية إدراج ريادة الأعمال ضمن أبرز آليات توفير الوظائف.

لكنَّ الموارد المالية ليست العقبة الوحيدة، فهناك الكثير من التحدّيات التي تواجه الدول النامية، أهمّها صعوبة إيجاد النظام البيئي المتكامل والمُتَوَافِقِ مع أهداف التنمية المستدَامة، ويُقصَد بذلك تمرير سياسات واضحة وشاملة إزاء تشجيع الشركات الصغيرة والمتوسطة، ودفعها للاستمرار في المشاريع الريادية الناجحة، وهذا لن يتأتَّى دون وضع خطة طموحة مستقبلية لهذا الأمر.

ومع التركيز العالمي الكبير على دور ريادة الأعمال في تحقيق النهضة الاقتصادية والاجتماعية، إلا أنَّ السياسات المحلية في الدول النامية لا تزال تمنح الأولوية القصوى للشركات الأكبر حجماً وتتناسى دور المشروعات الصغيرة والمتوسطة -رغم أنها أساس ريادة الأعمال- في دفع عجلة التنمية المستدامة في تلك الدول، رغم أنها تستحوذ على أكثر من 90 % من الاقتصاد العالمي؛ وعليه يلزم تلك الدول تغيير نظرتها وفلسفتها الاقتصادية تجاه تلك المشروعات، والعمل على تشجيعها وليس تحجيمها وتهميشها لحساب الكيانات الكبرى.

وفي استطلاع رأي، شمل نحو 1000 رائد أعمال في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (مركز بروكنجز: ريادة الأعمال محرّكٌ لخلق فرص عمل ولتحقيق نموّ شامل في العالم العربي http://cutt.us/wutSe)، أكَّد غالبية المشاركين أنهم يواجهون عوائق عدّة، مثل: صعوبة تسويق منتجاتهم وخدماتهم، وضَعْفِ فُرَصِ العثور على مصادر للتمويل، وتوظيف القوى العاملة المبتكرة، وفتح أسواق جديدة في الخارج، والإنفاق الحكومي الضئيل على تطوير البحث العلمي، وقلة تنفيذ مشاريع براءات الاختراع، وهو ما ظهر في انخفاض ترتيب منطقة الشرق الأوسط في مؤشر الابتكار العالمي.

إنّ التنمية الاقتصادية تركز على النهوض بالابتكار والصناعة، وريادة الأعمال، وتحرص كثيرٌ من دول العالم النامي على زيادة كفاءة استغلال الموارد المتاحة لديها وتنميتها، وتعزيز دور البحث العلمي، وتشجيع الابتكار، ودعم القطاعين العام والخاص في عمليات البحث والتطوير. وفي الوقت الذي تعاني فيه البلدان النامية من قدرات مالية محدودة يصعب معها إيجاد فرص عمل، واستيعاب الوافدين الجدد لسوق العمل، تأتي ريادة الأعمال ضمن أبرز آليات توفير الوظائف ومن ثمّ دفع عجلة التنمية المستدامة.

لتحميل المقال بصيغة  Pdf انقر هنا