تطوير بيئة العمل

تطوير بيئة العمل مسؤولية اجتماعية وأخلاقية ومعنوية للمؤسسات، يتبين منه مستوى كفاءة المؤسسة في تحمُّل هذه المسؤولية التي يمكن أن تعكس نتائج ملموسة على جهودها من حيث النمو والازدهار والتكيف مع المتطلبات البيئية؛ حيث إن نجاح المؤسسة بتهيئة البيئة المناسبة للعمل من حيث الأبعاد النفسية والاجتماعية للموظفين، يسهم بشكل كبير  في تشجيع الموظفين على زيادة الإنتاجية كماً ونوعاً.

ولذلك فإن التوجهات الحالية للمؤسسات لم تَعُدْ تعتمد على الاستثمار في رأس المال الجيد والتقانة الحديثة فقط، وإنما تستهدف إجراء تغييرات في بيئة العمل من حيث محتواها وأبعادها؛ وذلك لأن هذه التغيرات أثَّرَتْ على سوق العمل ومهارات القوى العاملة ومتطلباتهم الثقافية والاجتماعية، ما دفَع تلك المؤسسات إلى العمل على الاستجابة لهذه  التغيرات من خلال التركيز على تفعيل دور العنصر البشري بما يخدم أهدافها خاصة المتعلقة منها أجل رفع الكفاءة الإنتاجية، والوصول للسلام النفسي تجاه الوظيفة.

وهذا كله لا يمكن أن يحدث إلا من خلال  تحسين مستوى بيئة العمل، فشعور الفرد أو العامل داخل المؤسسة بالاستقرار والأمان الوظيفي والاحترام في بيئة عمله، وكذا الانتماء للمؤسسة يُشجِّعه ويدفعه إلى تقديم الأفكار المبدعة والخلاقة وإلى رفع روحه المعنوية، وبصفة عامة إلى توجيه سلوكه بما يخدم أهداف المؤسسة واعتبارها جزءاً لا يتجزأ من أهدافه.

ولذلك فالعملية التطويرية لبيئة العمل تشمل عدة جوانب،  من أهمها: إشراف جيد على العاملين في المؤسسة، وتوفير ظروف عمل نفسية واجتماعية وطبيعية جيدة، وإيجاد وظائف تتميز بدرجة عالية من المتعة والمكافأة، وتكوين علاقات عمل جيدة توفِّر الراحة النفسية للعاملين، وتحقيق مشاركة إيجابية في عملية صنع واتخاذ القرار، مع فاعلية وكفاءة عالية للمؤسسة، وتوافر قدرة عالية في التكيف مع الضغوط البيئية والتنافسية.

لذا يجب تضافر جهود المؤسسة وأفرادها العاملين وأطرافها الأخرى (المالكين، الدولة، أصحاب المصالح) في إنجاح تطوير بيئة العمل للوصول لحياة عملية أفضل من أجل رفع الروح المعنوية للعاملين وزيادة الكفاءة الإنتاجية.

 

أهمية تطوير بيئة العمل

تتجلى أهمية تطوير بيئة العمل في مدى تأثيرها المباشر وغير المباشر على الكثير من الظواهر والسلوكيات الإدارية داخل المؤسسات، وتأثيرها  الشامل داخل منظومة العمل، سواءً في أداء مهامها وتحقيق أهدافها أو علاقاتها بالبيئة الخارجية، سواءً كانت هذه العلاقات بأفراد أو مؤسسات؛ إذ إن تطوير بيئة العمل له تأثير على الكثير من المخرجات التنظيمية المهمة، الأمر الذي يمكن القول إن له علاقات مباشرة ومعنوية بين طبيعة، نوعية البيئة السائدة ومخرجات المؤسسة. لذلك كله يرى البعض أن درجة نجاح أية مؤسسة على المدى البعيد تتوقف إلى حد كبير على قدرتها على خلق بيئة عمل ملائمة.

فطبيعة تطوير بيئة العمل تظهر في صورة برامج توعية تكتسب أهميتها كونها استراتيجية متكاملة يمكن أن تقود المؤسسة إلى نتائج إيجابية، ومنها: التفوق النوعي على المنافسين من خلال حرص العاملين على تحسين الإنتاجية والنوعية في آنٍ واحد، وتوافر فرص الوصول إلى كفاءات ومهارات جيدة من الموارد البشرية، والاحتفاظ بهم، بالإضافة إلى تحقيق الرضا بالمسؤولية الاجتماعية والأخلاقية تجاه المجتمع، ومنح الفرصة للعاملين للوقوف إلى جانب الإدارة في حالة تعرُّض المؤسسة لمشاكل قد تعرقل من نشاطها وتعطل برامجها. وهذا كله مما يرفع من نسبة ولاء المستفيدين من منتجات المؤسسة أو خدماتها.

 

دوافع تطوير بيئة العمل

يُعد تطوير بيئة الحياة العملية السائدة في المؤسسة أحد أهم مصادر رضا الأفراد العاملين، ومؤشر لبيئة العمل التي تتميز بها المؤسسة عن غيرها من المؤسسات الأخرى، فالدور الفعّال للمورد البشري في تخطيط وتنفيذ نشاطات المؤسسة، خاصة في بيئة تتميز بدرجة عالية من المنافسة، وتسابق مستمر بين المؤسسات في الحصول على أهم وأثمن مورد لعملياتها، هو المورد البشري الذي يُعَدُّ مصدر الجذب في المؤسسة والمورد الذي يتطلب مراعاة خاصة في الاستخدام بحيث يمكن اعتبار أن تطوير وتنمية بيئة العمل الجيدة تشكل قوة جذب للموارد البشرية فائقة النوعية من الناحية المهارية والمعرفية مما يجعل المؤسسة تدرك أن توفير مكان مناسب للعمل يزيد من ولاء أفرادها العاملين، ويحقق التكامل والتفاعل بين أهدافهم وأهدافها.

 

أهم الأنشطة المساعدة على تطوير بيئة العمل:

يمكن تطوير بيئة العمل من خلال: تحسين ظروف العمل داخل المؤسسة، وإعادة النظر في ساعات العمل المطلوبة، مع توفير برامج الرفاهية الاجتماعية للعاملين، فضلاً عن توفير برامج الرعاية الصحية  وإجراءات الأمن والحماية، والتركيز على برامج الأمن والسلامة المهنية، مع الاهتمام بالعلاقات الإنسانية في العمل، والاهتمام بنظافة وترتيب مكان العمل من حيث الإضاءة والتهوية والرطوبة، وسرعة معالجة حالات التعب والإرهاق التي تعكسها مراجعة منحنيات الإنتاج للعاملين، وتتم عن طريق إعادة النظر بساعات العمل، تطبيق نظام فترات الراحة، التركيز على المعاملات الإنسانية للعاملين، مع تقليل مصادر الضوضاء وخاصة في الأعمال التي تستخدم فيها المكائن والمعدات ذات الأصوات المرتفعة.

ومن ذلك أيضاً: التقليل من رتابة الأعمال؛ عن طريق إعادة تصميم الأعمال بما يمنع من ظهور حالة التكرار في أدائها، والحرص على اختيار العاملين داخل المنظومة بالشكل المناسب وبمهنية شديدة، فمن الضروري توظيف أصحاب الكفاءات، والخبرات، ومن لديهم القدرة على العمل الجماعي، وتحمُّل ضغوط العمل،  والتصرف بشكل لائق وقت الأزمات، وكذلك محاولة تأهيل، وتدريب الموظفين الجدد، وتسليحهم بالمهارات والقدرات اللازمة لأداء المهام المطلوبة منهم بكفاءة.

كما ينبغي العمل على توفير وسيلة اتصال بين الموظفين، واستخدام الأدوات التكنولوجية الحديثة، وذلك من أجل تعزيز التواصل بين الموظفين، والإدارة العليا لمتابعة أداء الموظفين أولاً بأول، ولهذا الأسلوب أثر فعَّال في سرعة التدخل لحلّ الخلافات والمشكلات وإنجاز المهام المطلوبة، مع العدالة في توزيع المهام والأدوار على العاملين، ومن الضروري توزيع المهام على الموظفين وفقاً لقدراتهم ومهاراتهم، ويجب أيضاً تجنُّب إعطاء الموظف مهام كثيرة قد لا يقدر على إنجازها، وفي حالة تزايد المهام المطلوبة يمكن لصاحب العمل أن يستعين بموظفين جدد.

ومن ذلك أيضاً: الحرص على الجانب التدريبي للموظفين، فالتدريب له أهمية كبيرة كونه سبباً في تنمية قدرات ومهارات الموظفين بشكل يسهم في تحسينهم، وزيادة قدرتهم على الإبداع، والتطوير، وتحسن ورفع الكفاءة الإنتاجية .

ختاماً..  يتضمن تطوير بيئة العمل للفريق الواحد داخل المؤسسة أبعاداً نفسية واجتماعية تنعكس بنتائج ملموسة على جهود المؤسسة؛ من حيث النمو والازدهار والتكيُّف مع المتطلبات البيئية؛ فنجاح الإدارة في تهيئة البيئة المناسبة للعمل يحقق زيادة في الإنتاجية كمّاً ونوعاً، ويؤثر على الكثير من الظواهر والسلوكيات الإدارية داخل المؤسسات، ومن أبرز سُبل تطوير بيئة العمل: الارتقاء ببيئة وظروف العمل، وإعادة النظر في ساعات العمل، وتطبيق نظام فترات الراحة، وتوفير برامج الرفاهية الاجتماعية والرعاية الصحية وإجراءات الأمن والحماية.