ريادة الأعمال المجتمعية

 

هل من الممكن التغلُّب على الفقر؟ والقضاء على الجوع؟ هل مِن الممكن مواجهة المرض؟ وكسر شوكة الجهل؟.. تبدو الإجابة عن هذه الأسئلة أمراً في غاية الصعوبة، وتبدو بعيدةَ المنال في الوقت الراهن، غَيرَ أن العالم يَزْخَر بالعديد من روّاد الأعمال الاجتماعيين المؤمنين تمام الإيمان بقدرتهم على تحويل العالم إلى مكان أفضل، هؤلاء الروّاد هم من أنشأ مفهوم الريادة الاجتماعية، وبفضل جهودهم تطوّرت، ومنحت العالم أملاً في غدٍ أفضل… فما هي الريادة الاجتماعية؟

 

يشير مصطلح ريادة الأعمال الاجتماعية، إلى الأشخاص الذين يؤسِّسون مبادرةً أو منظمة تهدف إلى سدِّ احتياج معين لدى المجتمع (احتياج اجتماعي أو بيئي)، وتتميز هذه المبادرة أو المؤسسة بكونها غير هادفة للربح لكنها تحقِّق عائداً مادياً أو هامشَ ربح معقولاً يُعاد ضخّه داخل المؤسسة لتطوير المشاريع التي تعمل عليها، وتلبية احتياجاتها المادية ما يضمن استمراريتها، وقدرتها على أداء الأعمال المنوط بها تنفيذها.

 

ريادة الأعمال الربحية والاجتماعية والجمعيات الأهلية

تعتبر ريادة الأعمال الاجتماعية مرحلةً وسطاً بين الجمعيات الأهلية، وريادة الأعمال الربحية؛ إذ تعمل ريادة الأعمال الاجتماعية على تحقيق أهداف الجمعيات الأهلية، ولكن بطريقة وآليات عمل ريادة الأعمال الربحية، ففي حين تعتمد الجمعيات الأهلية على المعونات المالية والتبرعات، ولا تسعى لتحقيق ربح مستقل يمكنها من الصرف على أنشطتها، تسعى مؤسسات ريادة الأعمال الاجتماعية إلى تحقيق الربح لضمان الاستقلال، والاستمرار دون الاعتماد على تبرعات متقطعة وغير مضمونة.

على الجانب الآخر ورغم اعتماد مؤسسات ريادة الأعمال الاجتماعية على أساليب عمل مؤسسات ريادة الأعمال الربحية إلا أن الاختلافات بينهما واضحة للغاية، ففي الوقت الذي تتلقى فيه مؤسسات ريادة الأعمال الاجتماعية الدعم والتبرعات إلى جانب عملها على توفير مصادر دَخْل مستقلة، لا تتلقى مؤسسات ريادة الأعمال الربحية دعماً مالياً من أحدٍ، وفي الوقت الذي تسعى فيه مؤسسات ريادة الأعمال الاجتماعية لحلّ المشكلات ومساعدة البشر دون النظر لما يملكون من أموال، تسعى مؤسسات ريادة الأعمال الربحية بالأساس إلى إرضاء المتعامل الخاص بها، والانتقال إلى مكان وجوده دون الالتزام ببلد معين، أو التقيد بمكان محدد لتنفيذ الأعمال، في حين ترتبط مؤسسات ريادة الأعمال الاجتماعية بمكان معين لحين حلّ المشكلة الخاصة به، وتنفيذ الهدف الذي أنشئت من أجله.

 

ما هي صفات رائد الأعمال المجتمعي؟

ولتحقيق الأهداف التي نشأت من أجلها ريادة الأعمال المجتمعية، ونظراً لصعوبة الأمر، واحتياجه لأشخاص ذوي طبيعة خاصة من أولئك الذين ينفقون من وقتهم وأموالهم لأجل الآخرين، فإنّ رائد الأعمال المجتمعي يمتلك ثلاث صفات رئيسة تساعده على المضي قدماً نحو تحقيق أهدافه، وهي كما يلي:

 

الشغف:

يجب على رائد الأعمال المجتمعي أن يعلم جيداً أن طريقه سيكون صعباً، وأنه سيواجه الكثير من المعوقات والضغوط، التي تصل أحياناً لحدّ الحرب للحفاظ على المصالح، مثلما حدث مع رائد الأعمال المجتمعي البرازيلي فابيو روزا الذي أراد تحويل نظام الكهرباء هناك من نظام ثلاثي الأوجه ( 3 phases ) مكلف لا يستطيع الفلاحون تسديد ثمن الكهرباء المنتجَة من خلاله، إلى نظام ذي وجه واحد ( Single phase ) بتكلفة أقلّ، فواجهت شركة الكهرباء مشروعه، ووقفت ضدّه، ولولا إصرار الرجل، وشغفه ورغبته الشديدة في الانتصار لحقوق الفلاحين في بلاده، ورفع العبء عن كاهلهم لما تحقَّق الأمر.

 

الفهم العميق للمجتمع المحلي

ينبغي لرائد الأعمال الاجتماعي أن يكون على دراية كاملة بظروف مجتمعه، ومشاكله؛ إذ يساعد الفهم العميق للمجتمع المحلي على تصميم حلول تتناسب وهذا المجتمع، ما يساهم في نجاح المشروعات الموجَّهة إليه ويعزز فرصها في النجاح، بعكس محاولات نقل التجارب والمشروعات المصممة خارج المجتمع، والتي قد لا تراعي بعض المعايير الخاصة بالمجتمع المراد نقل التجربة إليه، ما يؤدِّي بالتجربة إلى الفشل الكامل.

 

القدرة على ضمّ الموهوبين

لا يمكن لرائد الأعمال الاجتماعي أن يعمل بمفرده، فمهما كان رائد الأعمال موهوباً وفعالاً فإنه لن يستطيع إدارة العمل وحده، خاصة إذا كان يستهدف خدمة مجموعة كبيرة من البشر، وعليه يجب أن يملك رائد الأعمال الاجتماعي القدرة على استقطاب وضمّ الموهوبين إلى فريقه وتكوين فريق مميز قادر على العمل وتحقيق أهداف المؤسسة الريادية.

 

ريادة الأعمال الاجتماعية والعالم العربي

تعتبر ريادة الأعمال الاجتماعية طوق نجاة ووسيلة مساعدة مهمة للعالم العربي الذي يمتلئ بالمشكلات الاجتماعية والبيئية، ما يعظِّم من دور مؤسسات ريادة الأعمال الاجتماعية، ويُلقِي بالمزيد من المسؤولية على عاتقها، فبنظرة فاحصة إلى العالم العربي نجد الكثير من مناطقه تعاني من مشكلات الفقر والبطالة، إضافة إلى انخفاض حادّ في جودة خدمات التعليم والصحة والثقافة وغيرها من الخدمات، وعليه يجب على الحكومات والمؤسسات الخاصة تشجيع هذا النوع من ريادة الأعمال كي يساهم في حلِّ هذه المشكلات العميقة.

وفي الواقع إنّ العالم العربي شهد في السنوات الأخيرة طفرةً كبيرة فيما يخصُّ ريادة الأعمال المجتمعية، فظهرت العديد من المؤسسات للمرة الأولى، وطوَّرت العديد من الجمعيات الأهلية من نفسها لتتجه بشكل أكبر إلى نموذج ريادة الأعمال المجتمعية لتضمن الاستمرارية والإنفاق على احتياجاتها بشكل مستقل.

ورغم تعدُّد المبادرات والمؤسسات العربية العاملة في هذا المجال إلّــا أنّ الواقع يقول: إننا مازلنا في حاجة إلى أضعاف هذه المؤسسات لتغطية المشكلات والنقص الحادّ في الخدمات الذي تعاني منه مناطق واسعة من الوطن العربي.