مفهوم الابتكار

الإنسان بطبيعته يبحث عن الجديد دائماً، فمنذ بَدْءِ الخليقة والإنسان يبتكر كلَّ يومٍ أشياءَ جديدة تساعده على سَدِّ احتياجاته، وحلِّ مشكلاته، والارتقاء بمستوى معيشته، فابتكر بنو آدم واخترعوا أشياء جديدة ساعدتهم على تيسير حياتهم، وتذليل الصعوبات التي تعترضهم، وتخفيف مشاقّ الحياة عنهم.

فهل فكرتَ يوماً أن تُحوِّل فكرتك إلى واقع، وتُصيِّر رؤيتك الفردية إلى إنجاز مجتمعي؟.. إن كنت ممن آمنوا بأفكارهم أياً كان حجمها، فيجب عليك أن تنميها وتطورها، وأن تبتكر دوماً ما تطمح إليه.

إنّ ميلاد أيِّ فكرة مبتكَرَة جديدة يستحق أن نحتفي به، خاصة عندما تكون الفكرة قابلة للتنفيذ، واعلم أنك كلما جربت واختبرت.. انتشرت فكرتك، وكان لها أثرٌ ماديٌّ ومعنويٌّ أكبر عليك وعلى المجتمع من حولك.

 

تعريف الابتكار

وإنّها لمهمة صعبة للغاية أن نضع تعريفاً محدداً للابتكار، وترجع صعوبته في أن الابتكار لا يقتصر على مجال معين، بل هناك الابتكار في التعليم، والابتكار في التكنولوجيا، والابتكار في الاقتصاد، والابتكار في التسويق والترويج، والابتكار في ريادة الأعمال.. إلخ، وفي كل مجال كان علماء هذا المجال يضعون تعريفاً مغايراً لتعريفات الابتكار في المجالات الأخرى، فعرّف “جيلفورد” عالم النفس الأمريكي، الابتكار في مجال الإنتاج على أنه “تفكير في نَسَق مفتوح يتميز الإنتاج فيه بخاصية فريدة”، ويرى “برونر”، عالم النفس الأمريكي، أن “الابتكار هو الإنتاج أو الفعل الذي يؤدي إلى الدهشة”.

واستمرت تعريفات ومفاهيم الابتكار تزداد يوماً بعد يوم، حتى استطاع تايلور، وهو أحد علماء النفس الاجتماعيين، تحليل ما يزيد على مائة تعريف للابتكار، وقسَّمها إلى خمسة مستويات “الابتكارية الإبداعية، الابتكارية الإنتاجية، الابتكارية الاختراعية، الابتكارية التجديدية، والابتكارية الانبثاقية”، ولكن ظلّ الأصل ثابتاً لمفهوم الابتكار وهو “خلق فكرة جديدة”.

ويعرّف التفكير الإبداعي والمبتَكر بأنه القدرة على اكتشاف علاقات جديدة، أو حلول أصيلة، تتسم بالجِدّة والمرونة، كما يعرّف بأنه قدرة الفرد على إنشاء عدد كبير من الأفكار الجديدة غير المعتادة، على أن تكون لديه درجة عالية من المرونة في الاستجابة للأمور والأحداث، بالإضافة إلى قدرته على تنمية أفكار وأنشطة متصلة مدروسة، وتتوفر هذه السمة لدى معظم الأطفال إلى حدٍّ ما، ولكنها تُعَدُّ بوجهٍ خاص إحدى خصائص الأطفال الموهوبين. (عبد الرحمن سيد سليمان، تهاني محمد عثمان، المتفوقون والموهوبون والمبتكرون، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ص 26).

 

مفاهيم الابتكار متعدِّدة ومتنوعة

إنّ مفاهيم الابتكار متعدِّدة ومتنوعة، وتعتمد في الأساس على التطبيق، وباختصار فإنَّ الابتكار هو الاستغلال الناجح للأفكار الجديدة، ومن بين الإمكانيات المختلفة للابتكار، تلك المتعلقة بالابتكارات الخاصة بالمنتجات أو العمليات، أو بالابتكارات التكنولوجية، وهناك أنواعٌ أخرى من الابتكارات يمكن أن تتصل بالأسواق الجديدة، ونماذج الأعمال الجديدة، والعمليات الجديدة، والأساليب التنظيمية، أو حتى بالمصادر الجديدة للموارد والإمدادات.

فالابتكار عبارة عن عملية ترجمة فكرة أو اختراع إلى سلعة أو خدمة تَخلق قيمة جديدة، ويجب أن تكون الفكرة قابلة للتكرار بتكلفة اقتصادية معقولة، ويجب أن تُلَبِّي حاجة محدّدة لكي يُطلَق عليها اسم الابتكار.

ويشمل الابتكار التطبيق المتعمد للمعلومات والخيال، والمبادرة في استخلاص قِيَم أكبر أو مختلفة من الموارد، ويشمل جميع العمليات التي يتمّ من خلالها توليد أفكار جديدة، وتحويلها إلى منتجات مفيدة، والابتكار غالباً ما ينتج عندما يتمّ تطبيق الأفكار من قِبَل الشركة من أجل تلبية احتياجات وتوقعات العملاء.

وفي سياق اجتماعي، يساعد الابتكار على إيجاد طرق جديدة للمشاريع المشتركة، وساعات العمل المرنة، وخلق القوة الشرائية للمشترين، وهكذا.

وتنقسم الابتكارات إلى فئتين عريضتين؛ الابتكارات التطورية (الابتكار التطوري المستمر أو الديناميكي) التي تنجم عن التقدم التدريجي في التكنولوجيا. والابتكارات الثورية (وتسمى أيضاً الابتكارات المتقطعة) التي غالباً ما تكون مدمرة وجديدة.

 

ضوابط كاشفة في مفهوم الابتكار

إنَّ الابتكار مفهوم إيجابي، ويبدو أن معدل الابتكار لا يزال يتسارع، ويعود السبب في معظمه إلى التكنولوجيا، إذ إنَّ تطوير التكنولوجيا نفسها يزيد مِن القدرة على الابتكار التكنولوجي، ويزيد من توقعات الناس لمزيد من الابتكار، وفي حين أنه لا يبدو أن هناك سبباً كافياً وراء عدم استمرار عملية تسريع التغيير التكنولوجي في المستقبل المنظور، فإنَّ وجهة النظر المضادة تقول: إن التغيير من أجل التغيير ليس بالضرورة مرغوباً فيه دائماً، فأيّ ابتكار تكنولوجي جديد يجب أن يحلّ مشكلة ما، ولا يكون تغييراً من أجل التغيير فقط، وفي الفقرات التالية نقدّم عدة أسئلة مهمة لـ “نيل بوستمان” من جامعة نيويورك يعتقد أنه ينبغي أن نجيب عنها عند النظر في الابتكارات وتقييمها.

من أهم هذه الأسئلة الكاشفة:

  • ما هي المشكلة التي تجعل من هذا الابتكار الجديد حلاً؟ على سبيل المثال، ما هي المشاكل التي تمّ حلها من ابتكار مقبض الباب “الذكي”، أو وجود 500 قناة بثّ، وهل هي تُمثِّل حلاً؟
  • من هم المستهدفون من حلّ المشكلة؟ معظم التقنيات الجديدة والابتكارات حلّت بعض المشاكل، ولكن المشكلة قد لا تكون مشكلة كل أو معظم الناس، لذا فإنّ الناس الذين يستفيدون من التكنولوجيا قد لا يكونون هم الذين يدفعون ثمنها.
  • ما هي المشاكل الجديدة التي قد نخلقها من هذا الابتكار الجديد؟ فهناك عدد قليل من الابتكارات قد تخلق مشاكل جديدة غالباً ما تكون غير متوقعة.
  • من قد يتضرّر من الابتكار؟ فالابتكارات الجديدة تنتج دائماً الخاسرين، وكذلك الفائزين. وما هي التغييرات التي يطرحها الابتكار على المجتمع؟
  • وكيف يقوم الابتكار بإعادة تنظيم السلطة الاقتصادية والسياسية؟

والإجابة تكون من خلال فهم التغييرات، حيث يمكننا بعد ذلك أن نقرّر ما إذا كنا نريدها أم لا. (عبد الرحمن سيد سليمان، تهاني محمد عثمان، المتفوقون والموهوبون والمبتكرون، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة).

إنَّ البشرية لم تنعم بحياتها إلا في ظل الابتكارات التي يسَّرت حياة البشر، وذلَّلت لهم الصعاب، وإنّ البشر بحاجة ماسَّة إلى أن يظل مسار الابتكار نامياً متسارعاً، لتزداد مسيرة الإنسان هداية ورشاداً في عمارة الكون.

 

لتحميل المقال بصيغة Pdf انقر هنا