هكذا تتحول الأفكار الابتكارية إلى مشاريع حية

 

المجتمع الفقير -الذي يزخر بالكثير من الطاقات الإبداعية القادِرَة على الابتكار في جميع مجالات الحياة- يجب ألّــا يقلق أبداً على مستقبله؛ فهذه العناصر هي أساس نهضته الاقتصادية وتقدُّمه الحضاري ونقله إلى مصافِّ الدول المتقدمة، ولكن هذا يحدث فقط إذا ما أحسن استغلالها وكشف طاقاتها الكامنة، ووجهها إلى المجالات الحيوية التي تحتاج نقلة نوعية في جميع أنشطتها.

 

 

وليس بالضرورة أن ينجح كل ابتكار يقدمه الإنسان، ولكن هناك الكثير من المعايير التي تحكم نجاحه، منها:

  • مدى تطبيقه تقنيات التكنولوجيا الحديثة؛ حتى يتواءم مع متطلبات العصر الثوري الذي نشهده.
  • مساحة المشاركة المجتمعية؛ فالابتكار يسعى بالأساس لخدمة المجتمع، وبالتالي يجب عليه السماح للجميع بعرض وجهات نظرهم، وتقييم المشروع، ووضع الرؤى المستقبلية الخاصة به.
  • قابليته للتكرار؛ فكلما كان الابتكار قابلاً للتنفيذ في أكثر من منطقة داخل المجتمع الواحد أو في دول أخرى، كلما حَظِيَ بالمزيد من الاهتمام المحلي والدولي، وزادت فُرَص تمويل مشاريعه في أكثر من منطقة.

ومن الجميل أنّ كثيراً من قصص الابتكار المهمّة والشهيرة؛ بدأت بأفكار مبدعة، ثم تحولت -بفضل جهود حثيثة- إلى مشاريع حية على أرض الواقع، فساهمت في القضاء على الكثير من المشاكل الصحية والاجتماعية والتعليمية على مستوى العالم، أو التخفيف من آثارها الحادة.

 

مشروع “ابتكارات المرضى” في البرتغال

اختير مشروع “منصة ابتكارات المرضى” العام 2016م ضمن أبرز ثلاثة ابتكارات للحكومات الخلّاقة على مستوى العالم، بناءً على تقرير مشترك صادِر عن “مركز محمد بن راشد للابتكار الحكومي”، و”معهد ستانفورد الدولي للأبحاث”.

وعمد المشروع إلى الاستفادة المُثْلَى من شبكات التواصل الاجتماعي بإنشاء مِنَصَّة للأفكار الجماعية، يشترك فيها المصابون بأمراض نادرة وأُسَرهم والأطباء والباحثون من أجل تقديم ابتكارات جديدة تُقلِّل من معاناتهم اليومية مع المرض وتَرتقي بحالاتهم النفسية، وتعمل على تخفيض مصروفات الرعاية الصحية، وتيسير تبادل المعلومات الطبية الصحيحة، ما قد يؤدي إلى الكشف المُبَكِّر عن بعض الأمراض.

وتُتَاح المنصة باللغات الإنجليزية والبرتغالية والألمانية، ومن الضوابط الخاصة بها حَذْف أية مشاركات تتضمن الترويج لشركات طبية معينة، ومن جانب آخر؛ أثبتت فعاليتها في القضاء على سيطرة الشركات ومراكز الابتكار على تسويق ونشر الابتكارات الفردية بشروط مُجْحِفَة، وهو ما يعني تكرارها في دول أخرى كثيرة.

 

“مدرسة رقمية في صندوق”

تتولى “منظمة الأمم المتحدة للطفولة- اليونيسيف” تنفيذ مشروع ابتكاري جديد في أوغندا بعنوان “مدرسة رقمية في صندوق”، يستهدف 60 مدرسة محلية بواقع 100 إلى 200 طفل في كلٍّ منها، وتعتمد فكرة المشروع على ربط المدارس الموجودة في المناطق النائية بشبكات تعليمية حديثة أوسع نطاقاً، ويمكن استخدام الفكرة ذاتها في ربط هذه المجتمعات بالمستشفيات أو مراكز الشرطة في حالات الضرورة.

وتتسلم كل مدرسة صندوقاً يشتمل على جهاز كمبيوتر محمول يعمل بالطاقة الشمسية ومتصل بشبكة الإنترنت، وجهاز عاكس الصور “بروجكتور”، وجهاز مكبر الصوت، وكاميرا لتصوير الأوراق.

 

شركات تعتمد على أحدث وسائل التكنولوجيا

كما أبرزت المؤسسة العربية للعلوم والتكنولوجيا الكثير من قصص الابتكار الفريدة، التي تعتمد على أحدث وسائل التكنولوجيا، وتحولت بالفعل إلى شركات ناشئة تطرح خدماتها ومنتجاتها في الأسواق، حتى وصل عدد الشركات التي تساندها إلى أكثر من 110 شركات ابتكارية.

وجاءت هذه القصص ضمن كتاب أطلقته المؤسسة تحت عنوان “البحث والابتكار نحو اقتصاد المعرفة.. أعمال ونجاحات المؤسسة في دعم البحث والتطوير وإطلاق شركات تكنولوجية”، ومن النماذج الابتكارية الواردة فيه:

  • شركة أسترو كليبز”:

بدأت هذه الشركة في المملكة الأردنية الهاشمية، وتقوم فكرتها الابتكارية على استخدام تطبيقات الهواتف الخلوية في الترويج لأهمية الحفاظ على البيئة ومواردها، ولاسيما غير المتجددة منها، والتخلي نهائياً عن استخدام الوَرَق أو الملصقات الدعائية التقليدية.

ونجحت “أسترو كليبز” بالفعل في تطوير برنامج جديد يرسل العروض التسويقية إلى المتعاملين مباشرة عبر الهواتف وشبكات التواصل الاجتماعي، ولاقت الفكرة إعجاب الكثيرين لتنتقل الشركة بعد ذلك إلى الولايات المتحدة الأميركية.

 

  • شركة “البيوتكنولوجيا للبحث والتطوير”:

هذه الشركة قائمة بالفعل في تونس، وتحديداً مدينة صفاقس، منذ العام 2008م، وهي الشركة الأولى في البلاد التي تتخصص في إنتاج الأجسام المضادة والتقنيات الحيوية، وأخيراً ابتكرت وسيلة علمية جديدة تكشف عن البكتيريا الدقيقة في المنتجات الغذائية، سواءً أكانت نباتية أو حيوانية، بخلاف التقنيات التقليدية المتبعة في المختبرات الميكروبيولوجية.

وتسعى الشركة -من خلال ابتكارها المذهل- إلى اكتشاف وتحليل مسبِّبات الأمراض ونسبة وجود المواد السامة في الجسم، ما يسهم مستقبلاً في عمليات الوقاية، وتقليل نسبة الإصابة بالأمراض المختلفة.

 

  • شركة “نانو دي إكس”:

نجحت هذه الشركة المصرية في تطويع تكنولوجيا النانو الحيوية لتقديم وسيلة مبتكَرَة للكشف عن التهاب الكبد الوبائي خلال أقلّ من ساعة واحدة، بالاعتماد على إجراء تحاليل طبية فائقة السرعة عبر اختبار HCV Nano-Gold.

وتعتبر تكنولوجيا Nano-Gold شائعة الاستخدام في علاج هذا المرض؛ إذ تنجح في إصابة الخلايا المتضررة من فيروس الكبد الوبائي، وعلاجها بعد ذلك.

 

  • “الشركة العربية للتقنية الحيوية”:

أو شركة “أعشاب للصناعات الحيوية”، وقد نجحت هذه الشركة في ابتكار مبيد عضوي مقاوم لديدان “النيماتودا”، وفي الوقت ذاته يساعد على الارتقاء بخصوبة التربة الزراعية.

تأسست الشركة في الإمارات العربية المتحدة، وتتخصص في بحوث تطوير المنتجات الحيوية والأدوية المضادة للأمراض الزراعية، وإجراء اختبارات الجودة للغير، ومنح براءات الاختراع في التقنيات الحيوية، وتشخيص الجراثيم والميكروبات.

 

  • شركة “آيكول بلس”:

اعتمدت هذه الشركة البحرينية في مشروعها المبتكَر على تكنولوجيا الأقمار الصناعية التي تستطيع مراقبة حركة الأجسام، والتحكم فيها تلقائياً، فربطت بينها وبين أنظمة النقل في مجال تأجير المركبات وإدارتها آلياً.

ويقوم المشروع على إمكانية وصول المتعامل إلى موقع السيارة المرغوبة عبر برنامج الملاحة أو ما يعرف بـ “”Navigator، الذي يتم تحميله على الهاتف الخلوي، بعدما يتلقى رقماً معيناً، ويمكن للشركة التحكُّم في السيارات المؤجَّرَة، مثل: غلق الأبواب وتشغيل المركبة أو إيقافها وخدمات أخرى ذات قيمة مضافة، عبر الآلية ذاتها.

ولذلك أقامت “آيكول بلس” شراكة متينة ومباشرة مع مسؤولي شبكات الاتصالات في البلاد عن طريق نظام “آي.في.آر” ونظام مطوّر للرسائل النصية القصيرة.

 

  • شركة “فيستيك”:

بدأت هذه الشركة في الإمارات العربية المتحدة برأس مالٍ تونسي، ونجحت في تطوير أدوات “الذكاء الاصطناعي” المستخدَمة بالفعل في أغراض الصناعة والتجارة، لتبسيط فهم اللغات الطبيعية، وتطوير أساليب أكثر دقَّة للتعرف على معاني الكلام والتفاسير الدلالية المختلفة.

وتمكَّنَت الشركة -التي انتقلت إلى تونس لفترة قصيرة، ثمّ استقرت أخيراً في كندا- من خوض غمار 14 لغة حية، وتخطّت قيمتها السوقية 69 مليون دولار، بعد أن بدأت بـــ 100 ألف دولار فقط، وهو ما يؤشِّر على مدى تفوُّقها وريادتها في هذا المجال.