كي تكون مبتكراً

المبتكرون أشخاصٌ طمُوحون، يفكِّرون بطُرُق مختلفة عن غيرهم، يميلون إلى التجريب، واتباع الخطط المدروسة، ولا يخافون من الفشل، ويمتلكون طموحات تحوِّلهم من أشخاص ذوي أفكار جيدة إلى مبتكرين مؤثرين؛ فالابتكار من وجهة نظرهم فكرةٌ عظيمةٌ تُؤْتِي ثمارها، ولكن يتطلب الأمر الوقت والمال، والعمل الجاد.

فعادةً ما يرى المبتكرون العظماء روابط بين الأشياء المختلفة، كما يطرحون الكثير من الأسئلة ويُحَبِّذُون دائماً التفكير النقدي، ويرون أنَّ القدرة على التفكير الأُفقي ذات قيمة كبيرة، مثلها مثل عمليات التشكيك والتحدِّي، التي تستند إلى غرض عملي بهدف تحسين التجارب.

وتعتبر معرفة الموارد المتاحة، وتحديد الأولويات، من المهارات المهمّة جداً التي يجب أن تتوافر لدى أيِّ مبتكر ناشئ، فالمبتكرون الأكفياء قادرون على رؤية المشاكل والمواد والحلول القائمة، وهم قادرون على الاستفادة من هذه المعرفة لإيجاد الطرق التي يمكن من خلالها القيام بالأشياء بشكل أفضل، كما أنهم يتعلمون من أخطاء الماضي، ويضعونها في سياق جديد حتى يُحقِّقوا نتائج عظيمة.

ربما هذا ما فعله توماس أديسون، ستيف جوبز، ألكسندر بيل، وغيرهم من المبتكرين المشهورين بالعلم والذكاء، فكان لهم القدرة على تغيير العالم أجمع، وتسبَّبُوا بثورة في التطوير والتحديث في القرن العشرين، وبالتأكيد كان أولئك العلماء محطَّ أنظار الناس جميعاً، وأثاروا الجدل حول الأسباب أو السمات التي توافرت فيهم ليكونوا من أشهر المبتكرين والمبدعين في العالم.

يرى المبتكرون دائماً ميزاتٍ لا يُفَعِّلُها الآخرون، فهم لا يهتمون بما يقوله الناس لهم، ولا يُصْغُونَ إلى تثبيطهم، لكنهم في الواقع يخترعون شيئاً جديداً، وهو شيء ربما لم يعرف الآخرون أنّهم بحاجة إليه إلّا في اللّحظة التي يرونه فيها، وعندها يعرفون جيداً أنه كان يجب أن يكون كذلك، فهم يبحثون دائماً لإيجاد طرق أفضل للقيام بالأشياء، ويشعرون بالملل بسبب الروتين.

يتطلب تقديم فكرة مبتكَرَة إلى السوق ساعات من العمل الشاقّ، والصبر والتخطيط الإجرائي، والتجريب والاختبار، ولكن من المهم أن نتذكر أن الفكرة العظيمة يمكن أن تأتي من أيِّ شخص، في أيِّ وقت، ولكن العثور على الأشخاص ذوي المهارات المناسبة الذين يقومون باغتنام هذه الأفكار وتطويرها يشكل تحدياً كبيراً لأيِّ عمل، فكيف يمكن اكتشاف هؤلاء الناس، وكيف تُسَخَّر أفكارهم؟

هناك سمات عامة يشترك فيها المبتكرون من أهمها:

التفاؤل:

التفاؤل من أكثر الصفات أهميةً في حياة المبتكرين، فالمبتكر يحتاج دائماً إلى الاعتقاد بأنَّ التغيير ممكن، والأمل قائم، وفي بعض الأحيان عليه أيضاً تجاهل النتائج أو الإحصاءات التي تُخبره بالتوقف والتخلي عن فكرته، وهذا هو ما فعله توماس أديسون الذي فشل في آلاف التجارب، وبعدها تمكن من اختراع المصباح الكهربائي، فلم ييأس أو يتنازل عن فكرته، فالتفاؤل يقلِّل من مستوى التوتر الناتج عن التعقيد، ويزيد من مستوى الأداء. ويُحَفِّز على التعامل مع المشاكل المعقَّدة كل يوم، ولذلك أكدت الكثير من الدراسات الأكاديمية والتجارب الواقعية على دور التفاؤل في نجاح المبتكرين.

الإيمان بالفكرة:

من أهمّ سمات المبتكر أنه يؤمن بفكرته وتسيطر عليه إلى درجة الهوَس، فإذا كان المبتكر يهتم حقاً بما يقوم به، فسوف يستثمر الوقت والفكر والجهد في خلق شيء جديد، وتحسين المنتج الحالي الخاص به، وهذا هو ما فعَله المبتكر الرائع ستيف جوبز، فكان يهتم بعمله كثيراً، وكان متحمساً لفكرته، فقد كان جوبز مولعاً بالتكنولوجيا منذ صغره، وكان يحب الاعتماد على نفسه، وعاشقاً للتنافس، ومهتماً بعالم الابتكارات والإلكترونيات، لذا استمرت “آبل” في مسيرتها الإبداعية حتى بعد وفاته.

المخاطرة:

يدرك المبتكرون أن المخاطرة هي جزء من تحقيق الاكتشافات العظيمة والنهوض بالمجتمع، لذا يشجِّع المبتكرون العظماء المخاطرة في الآخرين؛ فتجد القادة أو المديرين المبتكرين يُشَجِّعُون الموظفين على أن يكونوا فضوليين، ويشجِّعُونهم بشكل منهجي على المخاطرة، فثقافة المخاطرة تعني تشجيع الأفكار الجديدة والتعلم من الفشل، ورؤيته كفرصة للتعلم بدلاً من سبب للعقوبة.

الاقتباس:

يبحث المبتكرون عن الأنماط في كل مكان، فإذا تعثروا في إيجاد حلٍّ جديد لمشكلتهم، اطلعوا على حلول مماثلة، فالحلول الموجودة في ابتكار آخر قد تساعدهم، ونضرب مثالاً على ذلك: أرادت شركة لتصنيع معدّات التزلج تقليل الاهتزاز في الزحافات، فوجد مبتكروها حلاً مشابهاً في صناعة الموسيقى والتكنولوجيا المستخدمة لتثبيت الكمان للحدِّ من الاهتزازات، فالمبتكر يبحث عن الأفكار في كل مكان.

التحفيز وتعليم الآخرين:

المبتكرون يأخذون الآخرين تحت جناحهم لتعليمهم كيفية الابتكار، كما أنهم يُحَفِّزُونَ أولئك الذين هُمْ على استعداد للابتكار، ويدرك المبتكرون العظماء أنَّ الأفكار الجديدة لا يمكن أن تنتهي بهم، فيجلبون الآخرين معهم طوال الرحلة، ويدرِّبُونهم على كيفية التفكير بطرق جديدة، وبهذه الطريقة، فإنهم يَبْنُونَ فِرَقاً كاملة، ولكنَّ هناك العديد من الشركات تُعاقِب أولئك الذين يحاولون اقتراح القيام بالأشياء بطريقة جديدة، ويمكن بدلاً من ذلك بناء برامج الحوافز التي تُشَجِّع الأفكار الجديدة.

الفضول:

المبتكر يبحث للحصول على الرؤى والمعلومات، ليس فقط فيما يتعلق بالمشروع الذي يعمل عليه، ولكنه يبحث دائماً، ويكون فضولياً دائماً! وتراه دائماً يطارد الجديد، ويسعى وراء المختلف، ويجذبه المثير، وغير العادي.

الثقة:

المبتكر قَادِرٌ على اتخاذ القرارات، ولن يحدث التغيير، والنجاح، والابتكار إلا عن طريق اتخاذ قرارات واثقة، فالإفراط في جمع الأفكار وحدها لا يكفي؛ لأنّه سيؤدّي إلى تأخير الإجراءات اللازمة، لذا فإنّ الثقة هي السمة المميزة للمبتكِر القادر على اتخاذ القرارات، والعمل عليها.

المرونة:

كل شخص منّا يجد صعوباتٍ وأبواباً مغلقة في طريقه، فإذا كان لديك شَغَف الابتكار وإجراء التغيير، فسوف تواجه الكثير من العقبات، إنه أمرٌ طبيعيٌّ، ويجب أن تتوقعه، لذا يجب أن تسعى للتمسُّك برؤيتك، فالمرونة والثبات هي الصفات الضرورية لبناء شيءٍ جديد.

إنَّ هذه الصفات تعتبر هي السمات المشتركة لأيّ فرد قادر على تخيُّل وخلق وقيادة شيء جديد للعالم، وتعتبر تلك السمات مجموعة من المهارات الإضافية التي تحدِّد طريقة تفكيرنا في قيادة عمليات الابتكار، ولكن لابدّ أن نأخذ في الحسبان أنه حتى عندما يمتلك الناس هذه الخصائص، فليس شرطاً أن يحدث الابتكار الحقيقي.

وختاماً؛ فالمبتكر لا يتكوّن من توافر مجموعة من الصفات، ولكن الأهم هو وجود رؤية واضحة طويلة الأمد، وما يهم أكثر هو القدرة على توليد العديد من الأفكار، واكتشاف الفُرَص المناسبة لتطويرها، والعمل والتفاني لتحقيق الهدف الصائب، فالأفكار لا تجعل الأشخاص ناجحين، ولكن الأشخاص هم من يجعلون الأفكار ناجحة.

 

لتحميل المقال بصيغة PDF انقر هنا